قال ففتح في تلك السنة الأندلس طارق بن زياد في خلافة الوليد بن عبد الملك من بني أمية، وقتل ذلك الملك شر قتلة ونهب ماله وسبى من بها وغنم أموالها، ووجد بها ذخائر عظيمة، من بعضها مائة وسبعون تاجاً من الدر والياقوت والأحجار النفيسة، وإيوناً تلعب فيه الرماحة بأرماحهم قد ملئ من أواني الذهب والفضة مما لا يحيط به وصف، ووجد بها المائدة التي لنبي الله سليمان بن داود عليهما السلام، وكانت على ما ذكر من زمرد أخضر. وهذه المائدة إلى الآن في مدينة رومية باقية، وأوانيها من الذهب وصحافها من اليشم والجزع. ووجد فيها الزبور بخط يوناني في ورق من ذهب مفصل بجوهر، ووجد مصحفاً محلى فيه منافع الأحجار والنبات والمعادن واللغات والطلاسم وعلم السيمساء والكيمياء.
ووجد مصحفاً فيه صناعة أصباغ الياقوت والأحجار وتركيب السموم والترياقات، وصورة شكل الأرض والبحار والبلدان والمعادن والمسافات، ووجد قائمة كبيرة مملوءة من الأكسير، يرد الدرهم منه ألف درهم من الفضة ذهباً إبريزاً.
ووجد مرآة مستديرة عجيبة من أخلاط قد صنعت لسليمان عليه السلام، إذا نظر الناظر فيها رأى الأقاليم السبعة فيها عياناً ورأى مجلساً فيه من الياقوت والبهرمان وسق بعير. فحمل ذلك كله إلى الوليد بن عبد الملك، وتفرق العرب في مدنها. وبطليطلة بساتين محدقة وأنهار مغدقة ورياض وفواكه مختلفة الطعوم والألوان، ولها من جميع جهاتها أقاليم رفيعة ورساتيق مريعة وضياع وسيعة وقلاع منيعة، وشمالها جبل عظيم معروف بجبل الإشارات، به من البقر والغنم ما يعم البلاد كثرة وغزراً.
ذكر الغرب الأدنى
وهو الواحات وبرقة وصحراء الغرب والإسكندرية
فأما الواحات: فإن بها قوماً من السودان يسمون البربر، وهم في الأصل عرب مخضرمون وبها كثير من القرى والعمائر والمياه وهي أرض حارة جداً، وهي في ضفة الجبل الحائل بين أرض مصر والصحارى، وينتج بهذه الأرض وما اتصل بها من أرض السودان حمر وحشية منقوشة ببياض وسوداء بزي عجيب لا يمكن ركوبها، وإن خرجت عن أرضها ماتت في الحال. وكان في القديم يزرع بأرضها الزعفران كثيراً وكذلك البليلج والعصفر وقصب السكر، وبها حيات في رمال تضرب الجمل في خفة فلا ينقل حدوة حتى يطير وبره من ظهره وينهري.
شنترية: بها قوم من البربر وأخلاط العرب، وبها معدن الحديد والبريم، وبينها وبين الإسكندرية برية واسعة. يقولون: إن بها مدناً عظيمة مطلسمة من أعمال الحكماء والسحرة، ولا تظهر إلا صدفة.
فمنها ما حكي أن رجلاً أتى عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى، وعمر رضي الله عنه يومئذ عامل على مصر وأعمالها، فعرفه أنه رأى في صحراء الغرب بالقرب من شنترية، وقد أوغل فيها في طلب جمل له ند منه، مدينة قد خرب الأكثر منها وأنه قد وجد فيها شجرة عظيمة بساق غليظ تثمر من جميع أنواع الفواكه، وأنه أكل منها كثيراً وتزود. فقال له رجل من القبط: هذه إحدى مدينتي هرمس الهرامسة وبها كنوز عظيمة. فوجه عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه مع ذلك الرجل جماعة من ثقاته واستوثقوا من الزاد والماء عن شهر، وطافوا تلك الصحارى مراراً فلم يقفوا على شيء من ذلك.
ويحكى: إن عاملاً من عمال العرب جار على قوم من الأعراب فهربوا من عنفه وجوره ودخلوا صحراء الغرب ومعهم من الزاد ما يكفيهم مدة، فسافروا يوماً أو بعض يوم فدخلوا جبلاً فوجدوا فيه عنزاً كثيرة وقد خرجت من بعض شعاب الجبل، فتبعوها فنفرت منهم فأخرجتهم إلى مساكن وأنهار وأشجار ومزارع وقوم مقيمين في تلك الناحية قد تناسلوا وهم في أرغد عيش وأنزه مكان، وهم يزرعون لأنفسهم ويأكلون ما يزرعون بلا خراج ولا مقاسمة ولا طلب. فسألوهم عن حالهم فأخبروهم أنهم لم يدخلوا إلى بلاد العرب ولا عرفوها. فرجع هؤلاء القوم الذين هربوا من العامل إلى أولادهم وأهليم ودوابهم فساقوها ليلاً وخرجوا بهم يطلبون ذلك المكان، فأقاموا مدة طويلة يطوفون في ذلك الجبل فلم يقفوا لهم على أثر، ولا وجدوا لهؤلاء من خبر.