فيأتون نوحاً فيقولون مقالهم. فيقول: كيف لي بالشفاعة وقد أهلك الله بدعوتي من في الأرض وأغرقهم ؟ ولكن انطلقوا إلى إبراهيم. فيأتون إبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه عليه ويذكرون له الحال ويسألونه الشفاعة، فيقول: ما لي وللشفاعة ؟ ولكن انطلقوا إلى موسى بن عمران الذي كلمه الرحمن. قال: فيأتونه فيقول: كيف لي بالشفاعة ؟ وقد قتلت نفساً وألقيت الألواح فتكسرت، ولكن انطلقوا إلى عيسى بن البتول. فينطلقون إليه ويقولون مقالهم. فيقول: ما لي وللشفاعة ؟ وقد اتخذني النصارى إلهاً من دون الله وإني لعبد الله، ولكن أدلكم على صاحب الشفاعة الكبرى، انطلقوا إلى أبي القاسم محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء وسيد المرسلين.
فيأتون النبي صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين، ووجهه يضيء على أهل الموقف، فينادونه من دون منبره العالي: يا حبيب رب العالمين وسيد الأنبياء والمرسلين، قد عظم الأمر وجل الخطب وطال الوقوف واشتد الكرب فاشفع لنا إلى ربنا في فصل الأمر، فمن كان من أهل الجنة يؤمر به إليها، ومن كان من أهل النار يؤمر به إليها، الغوث الغوث يا محمد، فأنت صاحب الجاه، والمبعوث رحمة للعالمين، قال: فيبكي النبي صلى الله عليه وسلم ثم يأتي أمام العرش فيخر ساجداً فينادى: يا محمد ليس هذا يوم سجود فارفع رأسك وسل تعط واشفع تشفع: فيقول: يا رب مر بالعباد إلى الحساب فقد اشتد الكرب وعظم الخطب.
فيجاب إلى ذلك ويأمر الله عز وجل بالعرض للحساب، ثم تزفر جهنم زفرة فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا أخذه الرعب والجزع، وكل ينادي: نفسي يا رب، فآدم يقول: يا رب أسألك حواء ولا هابيل، ولا أسألك إلا نفسي، ونوح ينادي: لا أسألك ساماً ولا حاماً بل أسألك نفسي، والخليل ينادي: لا أسألك إسماعيل ولا إسحق ولكن أسألك نفسي يا رب، وموسى ينادي: لا أسألك هرون أخي بل أسألك نفسي يا رب، وعيسى ينادي: يا رب لا أسألك مريم أمي وأسألك يا رب نفسي وذلك قوله عز وجل: " يومَ يَفِرُّ المرءُ من أخيه، وأمِّه وأبيه، وصاحبتِه وبنيه، لكل امرئٍ منهم يومئذ شأن يُغنيه " .
قال: ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم ينادي: يا رب لا أسألك فاطمة ابنتي ولا بعلها ولا ولديها، ولا أسألك اليوم إلا أمتي ولا أسألك غيرها، فينادي المنادي من قبل الله عز وجل: يا رضوان زخرف الجنان، يا مالك سعر النيران، يا كسرون مد الصراط على متن جهنم. وهو أدق من الشعرة وأحد من السيف، وهي ألف عام صعود وألف عام استواء وألف عام هبوط، وقيل أكثر من ذلك. وهو سبع قناطر، فيسأل العبد عند القنطرة الأولى عن الإيمان وهي أصعب القناطر وأهواها قراراً، فإن أتى بالايمان نجا، وإن لم يأت به تردى إلى أسف سافلين. ويسأل عند القنطرة الثانية عن الصلاة فإن أتى بها نجا وإن لم يأت بها تردى في النار. ويسأل عند القنطرة الثالثة عن الزكاة فإن أتى بها نجا وإن لم يأت بها تردى في النار. ويسأل عند القنطرة الرابعة عن صيام شهر رمضان فإن أتى به نجا وإن لم يأت به تردى في النار. ويسأل عند القنطرة الخامسة عن الحج فإن أتى به نجا وإن لم يأت به تردى في النار. ويسأل عند القنطرة السادسة عن الأمر بالمعروف، فإن أتى به نجا وإن لم يأت به تردى في النار. ويسأل عند القنطرة السابعة عن النهي عن المنكر، فإن أتى به نجا وإن لم يأت به تردى في النار.
قال: ثم تحمل الخلائق على الصراط، فمنهم من يجوزه كالبرق الخاطف، ومنهم من يجوزه كالريح العاصف، ومنهم من يجوزه كالفرس الجواد، ومنهم كالرجل الساعي، ومنهم من يجوزه وهو يحضن الصراط بصدره، ومنهم من تأخذه النار. وإذا وقف الخلائق بين يدي الله عز وجل تطايرت الصحف بالأيمان والشمائل " فأمّا من أُوتيَ كتابه بيمينه فسوف يحاسَبُ حساباً يسيراً، وينقلبُ إلى أهله مسروراً، وأما من أُوتيَ كتابَهُ بشِماله فسوف يدعُو ثُبوراً ويصلَى سعيراً " .