وروى الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: " كلُّ شيءٍ هالكٌ إلا وجهه " قال: كل شيء وجب عليه الفناء إلا الجنة والنار والعرش والكرسي والحور العين والأعمال الصالحة. وقيل في قوله تعالى: " إلا مَن شاء اللّه " الشهداء حول العرش سيوفهم بأعناقهم؛ وقيل: الحور العين؛ وقيل: موسى عليه السلام لأنه صعق مرة؛ وقيل: جبريل وميكائيل وإسرافيل، صلوات الله عليهم أجمعين. وقيل: ملك الموت عليه السلام، وقيل: حملة العرش عليهم السلام. قالوا: فيأمر الله تعالى ملك الموت فيقبض أرواحهم، ثم يقول له: مت، فيموت فلا يبقى في الملك حي إلا الله؛ فعند ذلك يقول: " لمَنِ المُلك اليوم ؟ " فلا يجيبه أحد، فيقول: " للهِ الواحدِ القهار " . هكذا روي في الأخبار. والله أعلم.
ذكر المطرة التي تنبت الأجساد
قالوا: فإذا مضى من النفختين أربعون عاماً أمطر الله سبحانه من تحت العرش ماء خاثراً كالطلاء وكالمني من الرجال، يقال له ماء الحيوان، فتنبت أجسامهم كما ينبت البقل. قال كعب: ويأمر الله الأرض والبحار والطير والسباع برد ما أكلت من أجساد بني آدم حتى الشجرة الواحدة، فتتكامل أجسامهم. قالوا: وتأكل الأرض ابن آدم إلا عجب الذنب فإنه يبقى مثل عين الجرادة لا يدركه الطرف، فينشأ الخلق من ذلك العجب، وتركب عليه أجزاؤه كالهباء في شعاع الشمس، فإذا تم وتكامل نفخ فيه الروح ثم انشق عنه القبر، ثم قام خلقاً سوياً.
ذكر النفخة الثالثة وهي نفخة القيامة
وذلك قوله تعالى: " ثم نُفخ فيه أخرى فإذا هم قيامٌ ينظرون " وقوله: " إن كانت إلا صيحةً واحدة فإذا هم جميع لدينا مُحْضَرون " . ويجمع الله أرواح الخلائق في الصور، ثم يأمر الله الملك أن ينفخ فيهم قائلاً: أيتها العظام البالية والأوصال المتقطعة والأعضاء المتمزقة والشعور المنتثرة، إن الله المصور الخلاق يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء. فيجتمعن ثم ينادي: قوموا للعرض على الجبار. فيقومون، وذلك قوله تعالى: " يخرجُون من الأجداثِ سِراعاً " وقوله تعالى: " يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشرٌ، مُهْطِعين إلى يسير " . فإذا خرجوا من قبورهم تلقى المؤمنين بمواكب من رحمة الله كما وعد سبحانه وتعالى: " يومَ نحشُر المتّقين إلى الرحمن وَفداً " والفاسقون يمشون على أقدامهم سوقاً وهو قوله: " ونَسوق المجْرمين إلى جهنمَ وِرْداً " .
ذكر الموقف وأين يكون
روى المسلمون أن الناس يحشرون إلى بيت المقدس. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: هو المحشر والمنشر. ووافقت اليهود على ذلك.
وروي عن كعب: أن الله نظر إلى الأرض وقال: إني واطئ على بعضك، فانتسفت الجبال وارتجت الصخرة وتضعضعت وارتعدت؛ فشكر الله لها ذلك فقال: هذا مقامي ومحشر خلقي، هذه جنتي وهذه ناري، وهذا موضع ميزاني، وأنا ديان يوم الدين؛ وقيل: يصير الله الصخرة من مرجانة طباق الأرض، ويحاسب عليها الخلق. والله أعلم.
ذكر يوم القيامة والحشر والنشر
وتبديل الأرض غير الأرض وطي السماء، وأحوال ذلك اليوم
قال الله عز وجل: " يومَ تُبدَّل الأرضُ غيرَ الأرض والسمواتُ، وبرزُوا للّه الواحِد القهّار " . فأول من يحييه الله جل جلاله يوم القيامة إسرافيل لينفخ النفخة الثالثة لقيام الخلق كما تقدم. ثم يحيي رؤساء الملائكة ثم أهل السماء، ويأمر جبريل وميكائيل وإسرافيل أن انطلقوا إلى رضوان خازن الجنان وقولوا له: إن رب العزة والجبروت والكبرياء مالك يوم الدين، يأمرك أن تزين البراق وترفع لواء الحمد وتاج الكرامة وسبعين حلة من حلل الجنة الفاخرة، واهبطوا بها إلى قبر البشير النذير حبيبي محمد صلواتي وتسليمي عليه، فنبهوه من رقدته وأيقظوه من نومته وقولا له: هلم إلى استكمال كرامتك واستيفاء منزلتك وارتفاعك على الأولين والأخرين، وشفاعتك في المذنبين.