وقد نثرت هذا المعنى فمن ذلك قولي: لاتعذل المحب في ما يهواه حتى تطوي القلب على ما طواه. ومن ذلك وجه آخر وهو إذا اختلفت العينان في النظر فالعذل ضرب من الهذر. وأما ما يضيق فيه المجال فيعسر على الناثر تبديل ألفاظه فكقول أبي تمام:
تردَّى ثيابَ الموتِ حمراً فما أتى
لها الليلُ إلاَّ وهيَ من سندسٍ خضرِ
قصد أبو تمام المؤاخاة في ذكر لوني الثياب من الأحمر والأخضر وجاء ذلك واقعا على المعنى الذي أراده من لون ثياب القتلى وثياب الجنة. وهذا البيت لايمكن تبديل ألفاظه وهو وأمثاله مما يجب على الناثر أن يحسن الصنعة في فك نظامه لأنه يتصدى لنثره بألفاظه. فإن كان عنده قوة تصرف وبسطة عبارة فإنه يأتي به حسنا رائقا. وقد قلت في نثره: لم تكسه المنايا نسج شفارها حتى كسته الجنة نسج شعارها فبدل أحمر توبه بأخضره وكأس حمامه بكأس كوثره.
وإذا انتهى بنا الكلام إلى ههنا في التنبيه على نثر الشعر وكيفية نثره وذكر ما يسهل منه وما يعسر فلنتبع ذلك بقول كلي في هذا الباب فنقول: من أحب أن يكون كاتبا أو كان عنده طبع مجيب فعليه بحفظ الدواوين ذوات العدد ولايقنع بالقليل من ذلك. ثو يأخذ في نثر الشعر من محفوظاته.. وطريقه أن يبتدئ فيأخذ قصيدا من القصائد فينثره بيتا بيتا على التوالي. ولايستنكف في الابتداء أن ينثر الشعر بألفاظه أو بأكثرها فإنه لايستطيع إلا ذلك. وإذا مرنت نفسه وتدرب خاطره ارتفع عن هذه الدرجة وصار يأخذ المعنى ويكسوه عبارة من عنده ثم يرتفع عن ذلك فتكسوه ضروبا من العبارات المختلفة. وحينئذ يحصل لخاطره بمباشرة المعاني لقاح فيستنتج منها معاني غير تلك المعاني.
وسبيله أن يكثر الإدمان ليلا نهارا ولايزال على ذلك مدة طويلة حتى يصير له ملكة. فإذا كتب كتابا أو خطب خطابا تدفقت المعاني في أثناء كلامه وجاءت ألفاظه معسولة وكان عليه حدة تكاد ترقص رقصا وهذا شيء خبرته بالتجربة (وَلاَ يُنَبّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ)