فلما خافت أن يفتضح أمرها وينكشف سرها، وضعته في تابوت أحكمت زمه بعد أن أروته من الرضاع؛ وخرجت به في أول الليل في جملة من خدمها وثقاتها إلى ساحل البحر، وقلبها يحترق صبابةً به، وخوفاً عليه، ثم إنها ودعته وقالت: "اللهم انك خلقت هذا الطفل ولم يكن شيئاً مذكوراً، ورزقته في ظلمات الأحشاء، وتكفلت به حتى تم واستوى.
وأنا قد سلمته إلى لطفك، ورجوت له فضلك، خوفاً من هذا الملك الغشوم الجبار العنيد.
فكن له، ولا تسلمه، يا أرحم الراحمين" ثم قذفت به في اليم.
فصادف ذلك جري الماء بقوة المد، فاحتمله من ليلته إلى ساحل الجزيرة الأخرى المتقدم ذكرها.
وكان المد يصل في ذلك الوقت إلى موضع لا يصل إليه بعد علم.
فأدخله الماء بقوته إلى أجمة ملتفة الشجر عذبة التربة، مستورة عن الرياح والمطر، محجوبة عن الشمس تزاور عنها إذا طلعت، وتميل إذا غربت.
ثم أخذ الماء في الجزر.
وبقي التابوت في ذلك الموضع، وعلت الرمال بهبوب الرياح، وتراكمت بعد ذلك حتى سدت مدخل الماء إلى تلك الأجمة.
فكان المد لا ينتهي إليها، وكانت مسامير التابوت قد فلقت، وألواحه قد اضطربت عند رمي الماء في تلك الأجمة.
فلما أشتد الجوع بذلك الطفل، بكى واستغاث وعالج الحركة، فوقع صوته في أذن ظبية فقدت طلاها، خرج من كناسه فحمله العقاب، فلما سمعت الصوت ظنته ولدها.
فتتبعت الصوت وهي تتخيل طلاها حتى وصلت إلى التابوت، ففحصت عنه بأظلافها وهو ينوء ويئن من داخله، حتى طار عن التابوت لوح من أعلاه.
فحنت الظبية وحنت عليه ورئفت به، وألقمه حلمتها وأروته لبناً سائغاً.
ومازالت تتعهده وتربيه وتدفع عنه الأذى.
هذا ما كان من ابتداء أمره عند من ينكره التولد.
ونحن نصف هنا كيف تربى وكيف أنتقل في أحواله حتى يبلغ المبلغ العظيم.
وأما الذين زعموا أنه تولد من الأرض فانهم قالوا إن بطناً من أرض تلك الجزيرة تخمرت فيه طينه على مر السنين والأعوام، حتى امتزج فيها الحار بالبارد، والرطب باليابس، امتزاج تكافؤ وتعادل في القوى.
وكانت هذه الطينة المتخمرة كبيرة جداً وكان بعضها يفضل بعضاً في اعتدال المزاج والتهيؤ لتكون الأمشاج.
وكان الوسط منها أعدل ما فيها وأتمه مشابهة بمزاج الإنسان: فتمخضت تلك الطينة، وحدث فيها شبه نفاخات الغليان لشدة لزوجتها: وحدث في الوسط منها لزوجة ونفاخة صغيرة جداً، منقسمة بقسمين، بينها حجاب رقيق، ممتلئة بجسم لطيف هوائي في غاية من الاعتدال اللائق به، فتعلق به عند ذلك الروح الذي هو من أمر الله تعالى وتشبث به تشبثاً يعسر انفصاله عنه عند الحس وعند العقل؛ إذ قد تبين أن هذا الروح دائم الفيضان من عند الله عز وجل، وأنه بمنزلة نور الشمس الذي هو دائم الفيضان على العالم.
فمن الأجسام ما لا يستضيء به، وهو الهواء الشفاف جداً؛ ومنها ما يستضيء به بعض الاستضاءة، وهي الأجسام الكثيفة غير الصقيلة وهذه تختلف في قبول الضياء، وتختلف بحسب ذلك ألوانها، ومنها ما يستضيء به غاية الاستضاءة وهي الأجسام الصقيلة كالمرأة ونحوها.
فإذا كانت هذه المرأة مقعرة على شكل مخصوص، حدث فيها النار لإفراط الضياء.
الذي هو الروح، الذي هو من أمر الله تعالى، فياض أبداً على جميع الموجودات؛ فمنها ما لا يظهر أثره فيه اعدم الأستعداد، وهي الجمادات التي لا حياة لها، وهذه بمنزلة الهواء في المثال المتقدم، ومنها ما يظهر أثره فيه، وهي أنواع النبات بحسب استعداداتها وهذه بمنزلة الأجسام الكثيفة في المثال المتقدم؛ ومنها ما يظهر أثره فيه ظهوراً كثيراً، وهي الأجسام الصقيلة في المثال المتقدم.
That which is the Spirit, which is from the command of God Most High, is ever overflowing upon all existent things. Among them are those in which its effect does not appear due to lack of preparedness, and these are the inanimate things that have no life; and these are like the air in the previous example. Among them are those in which its effect appears, and these are the kinds of plants according to their preparedness; and these are like the dense bodies in the previous example. And among them are those in which its effect appears abundantly, and these are the polished bodies in the previous example.
ومن هذه الأجسام الصقيلة ما يزيد على شدة قبوله لضياء الشمس أنه يحكي صورة الشمس، ومثالها.
And among these polished bodies are those whose receptivity to the sunlight is so intense that they imitate the form of the sun and its likeness.
وكذلك أيضاً من الحيوان ما يزيد على شدة قبوله للروح أنه يحكي الروح ويتصور بصورته وهو الإنسان خاصة.
Likewise also among animals are those whose receptivity to the Spirit is so intense that they imitate the Spirit and take its form, and this is specifically the human being.
واليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله خلق أدم على صورته".
And to this is the indication in his saying, may God bless him and grant him peace: "Indeed, God created Adam in His form."
فان قويت في هذه الصورة حتى تتلاشى جميع الصور في حقها، وتبقى هي وحدها، وتحرق سبحات نورها كل ما أدركته، كانت حينئذ بمنزلة المرأة المنعكسة على نفسها المحرقة لسوها وهذا لا يكون إلا للأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين.
So if it becomes strong in this form until all forms vanish in its regard, and it alone remains, and the glories of its light burn everything it perceives, then it is like the mirror reflected upon itself, burning others; and this is only for the prophets, God's blessings be upon them all.
وهذا كله مبين في مواضعه اللائقة به، فليرجع إلى تمام ما حكوه من وصف ذلك التخلق.
And all of this is explained in its appropriate places, so let one refer to the completion of what they have related regarding the description of that formation.