مدينة بقرب بيت المقدس من أعمال الأردن بالغور. ذات نخل وموز وسكر كثير، وهي قرية الجبارين التي أمر الله موسى، عليه السلام، بدخولها، فقال موسى لبني إسرائيل: يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم، يعني أرض الشام، فخرج موسى من مصر بستمائة ألف مقاتل عازماً للشام، فلما وصلوا إلى البرية التي بين مصر والشام، بعث موسى اثني عشر نقيباً من كل سبط واحداً رسولاً إلى الجبارين، ليعرفوا حالهم، فلما قربوا من أريحا تلقاهم رجل من العمالقة، سألهم عن حالهم فقالوا: إنا رسل موسى رسول الله إليكم. فجعلهم في كمه كما يجعل أحدنا في كمه العصافير، وذهب بهم إلى ملك العمالقة ونفضهم بين يديه، وقال: هؤلاء الذين يريدون قتالنا ! أتأذن لي أن أطأهم بقدمي أفسخهم ؟ فقال الملك: لا، اتركهم حتى يرجعوا إلى قومهم يعرفونهم حالنا وقوتنا وضعفهم. فرجع النقباء وذكروا للقوم ما شاهدوا، فامتنع القوم عن دخول الشام وقالوا: إن فيها قوماً جبارين. وكان من النقباء يوشع بن نون ابن عم موسى وكالب بن يوفنا زوج أخت موسى، قالا: يا قوم ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون ! وجد موسى وهارون جداً عظيماً، فقالوا: إنا لن ندخلها أبداً ما داموا فينا فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون. فحبسهم الله تعالى في التيه أربعين سنة فماتوا كلهم سوى يوشع وكالب، وأوحى الله تعالى إلى يوشع فدخل الشام بأولاد الممتنعين وفتحها، فأمرهم الله تعالى أن يدخلوا مدينة أريحا سجداً لله تعالى شكراً قائلين: حطة ! أي سؤالنا حط ذنوبنا. وكانوا يدخلونها على استاههم قائلين حنطة، فسخط الله عليهم ورماهم بالطاغين، فهلك منهم آلاف مؤلفة وذلك قوله تعالى: فبدل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزاً من السماء بما كانوا يفسقون.
الإسكندرية
وهي المدينة المشهورة بمصر، على ساحل البحر. اختلف أهل السير في بانيها: فمنهم من ذهب إلى أن بانيها الإسكندر الأول، وهو ذو القرنين اشك بن سلوكوس الرومي، الذي جال الأرض وبلغ الظلمات ومغرب الشمس ومطلعها، وسد على يأجوج ومأجوج كما أخبر الله تعالى عنه، وكان إذا بلغ موضعاً لا ينفذ اتخذ هناك تمثالاً من النحاس ماداً يمناه مكتوباً عليها: ليس ورائي مذهب.
ومنهم من قال بناها الإسكندر بن دارا ابن بنت الفيلسوف الرومي، شبهوه بالإسكندر الأول لأنه ذهب إلى الصين والمغرب ومات وهو ابن اثنتين وثلاثين سنة، والأول كان مؤمناً والثاني كان على مذهب أستاذه أرسطاطاليس، وبين الأول والثاني دهر طويل.
قيل: إن الإسكندر لما هم ببناء الإسكندرية، وكانت قديماً من بناء شداد بن عاد كان بها آثار العمارة والأسطوانات الحجرية، ذبح ذبائح كثيرة للقرابين، ودخل هيكلاً كان لليونانيين وسأل ربه أن يبين له أمر هذه المدينة هل يتم أم لا ؟ فرأى في منامه قائلاً يقول له: إنك تبني هذه المدينة ويذهب صيتها في الآفاق، ويسكنها من الناس ما لا يحصى عددهم، وتختلط الرياح الطيبة بهوائها ويصرف عنها السموم، ويطوى عنها شدة الحر والزمهرير ويكعم عنها الشرور حتى لا يصيبها من الشياطين خبل، وان جلبت الملوك إليها جنودهم لا يدخلها ضرر.
فأتى الإسكندر موضعها وشاهد طيب هوائها وآثار العمارة القديمة وعمداً كثيرة من الرخام، فأمر بحث الصناع من البلاد وجمع الآلة واختيار الوقت لبنائها، فاختاروا وقتاً وعلقوا جرساً حتى إذا حرك الجرس الصناع، يضعون البناء من جميع أطرافها في وقت واحد، فإذا هم مترقبون طار طير وقع على الجرس فحركه فوضعوا البناء.
قيل ذلك للاسكندر فقال: أردت طول بقائها وأراد الله سرعة خرابها، ولا يكون إلا ما أراد الله فلا تنقضوها. فلما ثبت أساسها وجن الليل خرجت من البحر دابة وخربت ما بنوا، فلم يزل يحكمها كل يوم ويوكل بها من يحفظها، فأصبحوا وقد خربت. فأمر الإسكندر باتخاذ عمد عليها طلسم لدفع الجن، فاندفع عنها أذيتهم.