وجعل خارج المدينة مائة ألف منظرة أيضاً من الذهب والفضة لينزلها جنوده. ومكث في بنائها خمسمائة عام، فبعث الله تعالى إليه هوداً النبي، عليه السلام، فدعاه إلى الله تعالى، فتمادى في الكفر والطغيان. وكان إذ ذاك تم ملكه سبعمائة سنة، فأنذره هود بعذاب الله تعالى وخوفه بزوال ملكه، فلم يرتدع عما كان عليه. وعند ذلك وافاه الموكلون ببناء المدينة وأخبروه بالفراغ منها، فعزم على الخروج إليها في جنوده، وخرج في ثلاثمائة ألف رجل من أهل بيته، وخلف على ملكه مرثد بن شداد ابنه، وكان مرثد، فيما يقال، مؤمناً بهود، عليه السلام. فلما انتهى شداد إلى قرب المدينة بمرحلة جاءت صيحة من السماء، فمات هو وأصحابه وجميع من كان في أمر المدينة من القهارمة والصناع والفعلة، وبقيت لا أنيس بها فأخفاها الله، لم يدخلها بعد ذلك إلا رجل واحد في أيام معاوية يقال له عبد الله بن قلابة، فإنه ذكر في قصة طويلة ملخصها أنه خرج من صنعاء في طلب إبل ضلت، فأفضى به السير إلى مدينة، صفتها ما ذكرنا، فأخذ منها شيئاً من المسك والكافور وشيئاً من الياقوت، وقصد الشام وأخبر معاوية بالمدينة، وعرض عليه ما أخذه من الجواهر، وكانت قد تغير بطول الزمان. فأحضر معاوية كعب الأحبار وسأله عن ذلك فقال: هذا إرم ذات العماد التي ذكرها الله تعالى في كتابه، بناها شداد بن عاد، لا سبيل إلى دخولها ولا يدخلها إلا رجل واحد صفته كذا وكذا. وكانت تلك الصفة صفة عبد الله ابن قلابة؛ فقال له معاوية: أما أنت يا عبد الله فأحسنت النصح، ولكن لا سبيل لها. وأمر له بجائزة.
وحكي أنهم عرفوا قبر شداد بن عاد بحضرموت، وذلك أنهم وقعوا في حفيرة، وهي بيت في جبل منقورة مائة ذراع في أربعين ذراعاً، وفي صدره سرير عظيم من ذهب، عليه رجل عظيم الجسم، وعند رأسه لوح فيه مكتوب:
اعتبر يا أيّها المغرور بالعمر المديد
أنا شدّاد بن عادٍ صاحب القصر المشيد
وأخو القوّة والبأساء والملك الحسيد
دان أهل الأرض طرّاً لي من خوف وعيدي
فأتى هودٌ وكنّا في ضلالٍ قبل هود
فدعانا لو قبلناه إلى الأمر الرّشيد
فعصيناه ونادينا: ألا هل من محيد ؟
فأتتنا صيحةٌ تهوي من الأفق البعيد
فشوينا مثل زرعٍ وسط بيداءٍ حصيد
والله الموفق للصواب.
البجة
بلاد متصلة بأعلى عيذاب في غرب منه، أهلها صنف من الحبش، بها معادن الزمرذ، يحمل منها إلى سائر الدنيا، ومعادنه في جبال هناك، وزمرذها أحسن أصناف الزمرذ الأخضر السلقي الكثير المائية، يسقى المسموم منه فيبرأ، وإذا نظرت الأفعى إلي سالت حدقتها.
بكيل
مخلاف باليمن؛ قال عمارة في تاريخه: بهذا المخلاف نوع من الشجر لأقوام معينين في أرض لهم، وهم يشحون به ويحفظونه من غيرهم مثل شجر البلسان بأرض مصر؛ وليس ذلك الشجر إلا لهم يأخذون منه سماً يقتل به الملوك، وذكر أن ملوك بني نجاح ووزراءهم أكثرهم قتلوا بهذا السم.
بلاد التبر
هي بلاد السودان في جنوب المغرب؛ قال ابن الفقيه: هذه البلاد حرها شديد جداً. أهلها بالنهار يكونون في السراديب تحت الأرض، والذهب ينبت في رمل هذه البلاد كما ينبت الجزر بأرضنا، وأهلها يخرجون عند بزوغ الشمس ويقطفون الذهب، وطعامهم الذرة واللوبيا، ولباسهم جلود الحيوانات، وأكثر ملبوسهم جلد النمر، والنمر عندهم كثير.
ومن سجلماسة إلى هذه البلاد ثلاثة أشهر، والتجار من سجلماسة يمشون إليها بتعب شديد، وبضايعهم الملح وخشب الصنوبر وخشب الأرز، وخرز الزجاج والاسورة والخواتيم منه، والحلق النحاسية.
وعبورهم على براري معطشة، فيها سمايم بماء فاسد لا يشبه الماء إلا في الميعان، والسمايم تنشف المياه في الأسقية، فلا يبقى الماء معهم إلا أياماً قلائل. فيحتالون بأن يستصحبوا معهم جمالاً فارغة من الأحمال، ويعطشونها قبل ورودهم الماء الذي يدخلون منه في تلك البراري، ثم أوردوها على الماء نهلاً وعللاً حتى تمتلي أجوافها، ويشدون أفواهها كي لا تجتر فتبقى الرطوبة في أجوافها، فإذا نشف ما في أسقيتهم واحتاجوا إلى الماء، نحروا جملاً جملاً وترمقوا بما في بطونها، وأسرعوا بالسير حتى يردوا مياهاً أخرى، وحملوا منها في أسقيتهم.