وأما الحرم فله حدود مضروبة بالمنار قديمة، بينها الخليل، عليه السلام، وحده عشرة أميال في مسيرة يوم، وما زالت قريش تعرفها في الجاهلية والإسلام. فلما بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أقر قريشاً على ما عرفوه، فما كان دون المنار لا يحل صيده ولا يختلى خشيشه، ولا يقطع شجره ولا ينفر طيره، ولا يترك الكافر فيه. ومن عجيب خواص الحرم ان الذئب يتبع الظبي، فإذا دخل الحرم كف عنه ! وأما المسجد الحرام فأول من بناه عمر بن الخطاب في ولايته، والناس ضيقوا على الكعبة، وألصقوا دورهم بها فقال عمر: إن الكعبة بيت الله ولا بد لها من فناء. فاشترى تلك الدور وزادها فيه واتخذ للمسجد جداراً نحو القامة، ثم زاد عثمان فيه، ثم زاد عبد الله بن الزبير في اتقانه، وجعل فيها عمداً من الرخام وزاد في أبوابه وحسنه. ثم زاد عبد الملك بن مروان في ارتفاع حيطانها وحمل السواري إليها من مصر في الماء إلى جدة، ومن جدة إلى مكة على العجل، وأمر الحجاج فكساها الديباج، ثم الوليد بن عبد الملك زاد في حلى البيت لما فتح بلاد الأندلس، فوجد بطليطلة مائدة سليمان، عليه السلام، كانت من ذهب ولها أطواق من الياقوت والزبرجد، فضرب منها حلى الكعبة والميزاب، فالأولى المنصور وابنه المهدي زادوا في اتقان المسجد وتحسين هيئته، والآن طول المسجد الحرام ثلاثمائة ذراع وسبعون ذراعاً، وعرضه ثلاثمائة ذراع وخمس عشرة ذراعاً، وجميع أعمدة المسجد أربعمائة وأربعة وثلاثون عموداً، وأما الكعبة زادها الله شرفاً فإنها بيت الله الحرام. إن أول ما خلق الله تعالى في الأرض مكان الكعبة، ثم دحا الأرض من تحتها، فهي سرة الأرض ووسط الدنيا وأم القرى؛ قال وهب: لما أهبط آدم، عليه السلام، من الجنة حزن واشتد بكاؤه، فعزاه الله بخيمة من خيامها وجعلها موضع الكعبة، وكانت ياقوتة حمراء، وقيل درة مجوفة من جواهر الجنة، ثم رفعت بموت آدم، عليه السلام، فجعل بنوه مكانها بيتاً من حجارة فهدم بالطوفان وبقي على ذلك ألفي سنة، حتى أمر الله تعالى خليله ببنائه، فجاءت السكينة كأنها سحابة فيها رأس يتكلم، فبنى الخليل وإسمعيل، عليهما السلام، على ما ظللته.
وأما صفة الكعبة فإنها في وسط المسجد مربع الشكل، بابه مرتفع على الأرض قدر قامة، عليه مصراعان ملبسان بصفائح الفضة طليت بالذهب، وطول الكعبة أربعة وعشرون ذراعاً وشبر، وعرضها ثلاثة وعشرون ذراعاً وشبر، وذرع دور الحجر خمسة وعشرون ذراعاً، وارتفاع الكعبة سبعة وعشرون ذراعاً.
والحجر من جهة الشام يصب فيه الميزاب، وقد ألبست حيطان الحجر مع أرضه الرخام، وارتفاعه حقو، وحول البيت شاذروان مجصص ارتفاعه ذراع في عرض مثله، وقاية للبيت من السيل. والباب في وجهها الشرقي على قدر قامة من الأرض، طوله ستة أذرع وعشر أصابع، وعرضه ثلاثة أذرع وثماني عشرة إصبعاً. والحجر الأسود على رأس صخرتين، وقد نحت من الصخر مقدار ما دخل فيه الحجر. والحجر الأسود حالك على الركن الشرقي عند الباب في الزاوية، وهو على مقدار رأس إنسان، وذكر بعض المكيين حديثاً رفعوا على مشايخهم انهم نظروا إلى الحجر الأسود عند عمارة ابن الزبير البيت، فقدروا طوله ثلاثة أذرع وهو ناصع البياض إلا وجهه الظاهر، وارتفاع الحجر من الأرض ذراعان وثلث ذراع، وما بين الحجر والباب الملتزم، سمي بذلك لالتزامه الدعاء. كانت العرب في الجاهلية تتحالف هناك، فمن دعا على ظالم هناك أو حلف اثماً عجلت عقوبته، وداخل البيت في الحائط الغربي الجزعة، على ستة أذرع من قاع البيت، وهي سوداء مخططة ببياض طولها اثنا عشر في مثل ذلك، وحولها طوق من ذهب عرضه ثلاث أصابع، ذكر أن النبي، عليه السلام، جعلها على حاجبه الأيمن.
والميزاب متوسط على جدار الكعبة بارز عنه قدر أربعة أذرع، وسعته وارتفاع حيطانه كل واحد ثماني أصابع، وباطنه صفائح الذهب، والبيت مستر بالديباج ظاهره وباطنه، ويجدد لباسه كل سنة عند الموسم. فإذا كثرت الكسوة خفف عنه وأخذها سدنة البيت، وهم بنو شيبة. وهذه صفة الكعبة والمسجد الحرام حولها، ومكة حول المسجد، والحرم حول مكة، والأرض حول الحرم هكذا.