أما المعادن فالذهب لا يتكون إلا في البراري الرملة والجبال الرخوة، والفضة والنحاس والرصاص والحديد لا يتكون إلا في الأحجار المختلطة بالتراب اللين، والكبريت لا يتكون إلا في الأراضي النارية، والزيبق لا يتكون إلا في الأراضي المائية، والأملاح لا تنعقد إلا في الأراضي السبخة، والشبوب والزاجات لا تتكون إلا في التراب العفص، والقار والنفط لا يتكون إلا في الأراضي الدهنة، أما تولد الأحجار التي لها خواص فلا يعلم معادنها وسببها إلا الله تعالى.
وأما النبات فإن النخل والموز لا ينبتان إلا بالبلاد الحارة، وكذلك الأترج والنارنج والرمان والليمون، وأما الجوز واللوز والفستق فلا ينبت إلا بالبلاد الباردة، والقصب على شطوط الأنهار، وكذا الدلب والمغيلان بالأراضي الصلبة والبراري القفار، والقرنفل لا ينبت إلا بجزيرة بأرض الهند، والنارجيل والفلفل والزنجبيل لا ينبت إلا بالهند، وكذلك الساج والآبنوس والورس لا ينبت إلا باليمن، والزعفران بأرض الجبال بروذراورد، وقصب الذريرة بأرض نهاوند، والترنجبين يقع على شوك بخراسان.
وأما الحيوان فإن الفيل لا يتولد إلا في جزائر البحار الجنوبية، وعمرها بأرض الهند أطول من عمرها بغير أرض الهند، وأنيابها لا تعظم مثل ما تعظم بأرضها، والزرافة لا تتولد إلا بأرض الحبشة، والجاموس لا يتولد إلا بالبلاد الحارة قرب المياه، ولا يعيش بالبلاد الباردة، وعير العانة ليس له سفاد في غير بلاده كما يكون ذلك في بلاده، ويحتاج أن يؤخذ من حافره ولا كذلك في بلاده، والسنجاب والسمور وغزال المسك لا يتولد إلا في البلاد الشرقية الشمالية، والصقر والبازي والعقاب لا يتفرخ إلا على رؤوس الجبال الشامخة، والنعامة والقطا لا يفرخان إلا في الفلوات، والبطوط وطيور الماء لا تفرخ إلا في شطوط الأنهار والبطائح والآجام، والفواخت والعصافير لا تفرخ إلا في العمارات، والبلابل والقنابر لا تفرخ إلا في البساتين، والحجل لا يفرخ إلا في الجبال، هذا هو الغالب فإن وقع شيء على خلاف ذلك فهو نادر. والله الموفق للصواب.
المقدمة الثالثة
في أقاليم الأرض
قال أبو الريحان الخوارزمي: إذا فرضنا أن دائرة معدل النهار تقطع كرة الأرض بنصفين: يسمى أحد النصفين جنوباً، والآخر شمالاً. وإذا فرضنا دائرة تعبر عن قطبي معدل النهار وتقطع الأرض، صارت كرة الأرض أربعة أرباع: ربعان جنوبيان، وربعان شماليان، فالربع الشمالي المكشوف يسمى ربعاً مسكوناً، والربع المسكون مشتمل على البحار والجزائر والأنهار والجبال والمفاوز والبلدان والقرى، على أن ما بقي منها تحت قطب الشمال قطعة غير مسكونة من افراط البرد وتراكم الثلوج، وهذا الربع المسكون قسموه سبعة أقسام، كل قسم يسمى إقليماً، كأنه بساط مفروش من الشرق إلى الغرب طولاً، ومن الجنوب إلى الشمال عرضاً، وإنها مختلفة الطول والعرض، فأطولها وأعرضها الإقليم الأول، فإن طوله من المشرق إلى المغرب نحو من ثلاثة آلاف فرسخ، وعرضه من الجنوب إلى الشمال نحو من مائة وخمسين فرسخاً، وأقصرها طولاً وعرضاً الإقليم السابع، فإن طوله من المشرق إلى المغرب نحو من ألف وخمسمائة فرسخ، وعرضه من الجنوب إلى الشمال نحو من خمسين فرسخاً. وأما سائر الأقاليم فمختلف طولها وعرضها، وعلى الصفحة المقابلة صورة كرة الأرض بأقاليمها.
وهذه القسمة ليست قسمة طبيعية، لكنها خطوط وهمية وضعها الأولون الذين طافوا بالربع المسكون من الأرض، ليعلموا بها حدود الممالك والمسالك، مثل افريدون النبطي واسكندر الرومي واردشير الفارسي، وإذا جاوزوا الأقاليم السبعة فمنعهم من سلوكها البحار الزاخرة والجبال الشامخة، والأهوية المفرطة التغير في الحرب والبرد، والظلمة في ناحية الشمال تحت مدار بنات النعش، فإن البرد هناك مفرط جداً، لأن ستة أشهر هناك شتاء وليل، فيظلم الهواء ظلمة شديدة ويجمد الماء لشدة البرد، فلا حيوان هناك ولا نبات. وفي مقابلتها من ناحية الجنوب تحت مدار سهيل يكون ستة أشهر صيفاً نهاراً كله، فيحمى الهواء ويصير ناراً سموماً يحرق كل شي، فلا نبات ولا حيوان هناك.