هم جيل عظيم من الترك، بلادهم خلف باب الأبواب الذي يقال له الدربند، وهم صنفان: صنف بيض أصحاب الجمال الفائق، وصنف سمر يقال لهم قرا خزر. وأبنيتهم خرقاهات إلا شيء يسير من الطين. ولهم أسواق وحمامات.
ونزولهم على شط نهر آتل، ولهم ملك عظيم يسمى بلك. وفيهم خلق كثير من المسلمين والنصارى واليهود وعبدة الأوثان. وإذا عرض لقوم منهم حكومة يبعثهم إلى حاكمهم، والملك لا يدخل بينهم. ولكل قوم من الأقوام حاكم. ولملكهم قصر من الآجر بعيد من نهر آتل، وليس لأحد بناء من الآجر إلا له. وحكي أن ملكهم لا يركب إلا في أربعة أشهر مرة، وإذا ركب يكون بينه وبين الأجناد قدر ميل، وإذا رآه أحد يخر ساجداً، ولا يزال كذلك حتى يعبر الملك. وإذا بعث سرية فانهزمت قتل الهاربين كلهم، ويحضر نساءهم وأولادهم وقماشهم يهبها لغيرهم ويقتلهم. وحكي ان ملكهم إذا جاوز الأربعين عزله أو قتله خاصته، وقالوا: هذا قد نقص عقله لا يصلح لتدبير الملك !
بلاد خطلخ
هم قوم من الترك، مسيرة بلادهم عشرة أيام، وهم أشد شوكة من جميع قبائل الترك، يغيرون على من حولهم، ولهم رأى وتدبير في الأمور وينكحون الأخوات. والمرأة لا تتزوج إلا زوجاً واحداً، فإن مات عنها لا تتزوج باقي عمرها. ومن زنى عندهم أحرقوا الزاني والمزني بها، ولا طلاق لهم، ومهر المرأة جميع ما يملكه الزوج، ويأكلون الشعير والجلبان والبر وسائر اللحوم غير المذكاة. وإذا تزوج رجل امرأة لا مال لها فمهرها خدمة الولي سنة. والقصاص عندهم مشروع، والجروح مضمونة بالارش، فإن أخذ الارش ومات بالجراحة هدر دمه. وملكهم ينكر الشر أشد الانكار ولا يرضى به، ومن شرط ملكهم أن لا يتزوج فإن تزوج قتل !
بلاد الروس
هم أمة عظيمة من الترك، بلادهم متاخمة لبلاد الصقالبة، حكى المقدسي أنهم في جزيرة وبيئة تحيط بها بحيرة، هي حصنهم وتمنع عنهم عدوهم.
قال أحمد بن فضلان في رسالته: رأيت الروسية وقد وافوا بتجاراتهم على نهر آتل، فلم أر أتم بدناً منهم كأنهم النخل، شقر بيض، لهم شريعة ولغة مخالفة لسائر الترك، لكنهم أندر خلق الله، لا يتنظفون ولا يحترزون عن النجاسات. ومن عادة ملكهم أن يكون في قصر رفيع كبير، ومعه أربعمائة رجل من خواصه أهل الثقة عنده يجلسون تحت سريره. وله سري عظيم مرصع بالجواهر يجلس معه عليه أربعون جارية لفراشه، وربما يطأ واحدة بحضور أصحابه ولا ينزل عن سريره البتة. فإن أراد قضاء الحاجة يقرب إليه الطشت، وإن أراد الركوب تقرب الدابة إلى جنب السرير، وله خليفة يسوس الجيوش ويدبر أمر الرعية ويواقع الأعداء.
ومن عاداتهم أن من ملك عشرة آلاف درهم اتخذ لزوجته طوقاً من ذهب، وإن ملك عشرين ألفاً اتخذ طوقين، وعلى هذا فربما كان في رقبة واحدة أطواق كثيرة، وإذا وجدوا سارقاً علقوه في شجرة طويلة، وتركوه حتى يتفتت !
بلاد الروم
هم أمة عظيمة، وهم سكان غربي الإقليم الخامس والسادس؛ قالوا: هم من نسل عيصو بن إسحق بن إبراهيم، عليه السلام. بلادهم واسعة ومملكتهم عظيمة، منها الرومية والقسطنطينية. بلادهم بلاد برد لدخولها في الشمال، وهي كثيرة الخيرات وافرة الثمرات كيرة البهائم من الدواب والمواشي. وكانوا في قديم الزمان على دين الفلاسفة إلى أن ظهر فيهم دين النصارى.
ومن عاداتهم الخروج في أعيادهم بالشعانين والسباسب والدنح بالزينة للهو والطرب والمأكول والمشروب، صغيرهم وكبيرهم وفقيرهم وغنيهم على قدر مكنته وقدرته. ومن عاداتهم إخصاء أولادهم ليكونوا من سدنة بيوت عبادتهم، لكنهم لا يتعرضون للقضيب ويحدثون الخصي بالأنثيين، لأنهم كرهوا لرهبانهم احبال نسائهم. وأما قضاء الوطر فلا يكرهونه، وقيل: ان الخصي يبلغ في ذلك مبلغاً لا يبلغه الفحول لأنه يستحلب لفرط المداومة جميع ما عند المرأة ولا يفتر، فإذا تزوج أحدهم وأراد الزفاف، تحمل المرأة إلى القس حتى يكون القس مفترعها وينالها بركته، والزوج أيضاً يمشي معها ليعلم أن الاقتضاض حصل بفعل القس ! وملوك الروم وهم القياصرة كانوا من أوفر الملوك علماً وعقلاً، وأتمهم رأياً وأكثرهم عدداً وعدداً، وأوسعهم مملكة وأكثرهم مالاً، ومن عاداتهم أن لا يأخذوا عدوهم مغافصة، بل إذا أرادوا غزو بلاد كتبوا إلى صاحبها: نحن قاصدون بلادك في السنة الآتية، فاستعد وتأهب لالتقائنا !