مدينة بناحية افرنجة كثيرة المياه والأشجار والفواكه والحبوب. أكثر أهلها نصارى. بها بنيان منيفة على سوار عظيمة، وفي سواحل هذه المدينة يوجد العنبر الجيد. وحكي أنهم إذا أصابهم كلب الشتاء وامتنع عليهم ركوب البحر، مشوا إلى جزيرة بقربهم يقال لها انواطى، بها نوع من الشجر يسمى مادقة، فإذا أصابهم الجوع قشروا هذه الشجرة فوجدوا بين لحائها وخشبها شيئاً أبيض فاقتاتوا بها الشهر والشهرين وأكثر حتى يطيب الهواء.
بها جبل مشرف عليها وعلى البحر المحيط وعليه صنم، وذلك كأنه يخبر الناس بترك التعرض لسلوك البحر المحيط، لئلا يطمع أحد ممن خرج من برذيل بركوب البحر الذي عنده طمع في سلوكه.
برطاس
ولاية واسعة بالخزر مفترشة على نهر اتل، أهلها مسلمون، لهم لغة مغايرة لجميع اللغات، أبنينهم من الخشب يأوون إليها في الشتاء، وأما في الصيف فيفرشون في الخرقاهات.
بها نوع من الثعالب في غاية الحسن، كثير الوبر أحمر اللون، جلودها الفراء البرطاسية. والليل عندهم قليل في الصيف يكون مقدار ساعة، لأن السائر لا يتهيأ له أن يسير فيه أكثر من فرسخ.
بلاد بجناك
هم قوم من الترك في الإقليم السادس في شماليه قرب الصقالبة. وهم قوم طوال اللحى اولو اسبلة طويلة. عندهم كثرة وقوة ومنعة، لا يؤدون الخراج إلى أحد أصلاً، ويغير بعضهم على بعض كالسباع، ويفترشون نساءهم بمرأى الناس، لا يستقبحون ذلك كالبهائم، ومأكولهم الدخن. وبلادهم مسيرة اثني عشر يوماً.
بلاد بجا
هم قوم من الترك، بلادهم مسيرة شهر، وهم مشركون يسجدون لملكهم ويؤدون الاتاوة إلى الطحطاح، ويعظمون البقر ولا يأكلونها تعظيماً لها. وبلادهم كثيرة العنب والتين والزعرور الأسود، وفيها ضرب من الشجر لا تأكله النار، ولهم أصنام من ذلك الخشب، يأخذ الطرقيون من النصارى ذلك الخشب، ويزعمون أنه من الجذع الذي صلب عليه عيسى، عليه السلام.
بلاد بغراج
قوم من الترك لهم اسبلة بغير لحى، وبلادهم مسيرة شهر، لهم ملك عظيم الشأن يذكر أنه علوي من ولد يحيى بن زيد، وعندهم مصحف مذهب على ظهره أبيات في مرثية زيد، وهم يعبدون ذلك المصحف، وزيد عندهم ملك العرب، وعلي بن أبي طالب إله العرب، ولا يملكون أحداً إلا من نسل ذلك العلوي. وإذا استقبلوا السماء فتحوا أفواههم وشخصوا أبصارهم ويقولون: إن إله العرب ينزل منها ويصعد إليها. ومعجزة هؤلاء الملوك الذين هم من نسل زيد طول اللحية، وقيام الأنف، وسعة العين.
ولهؤلاء القوم عساكر فرسان ورجالهم كثيرة، وصنعتهم عمل السلاح، يعملون منه آلات حسنة جداً. وغذاؤهم دخن ولحوم الضأن الذكر، وليس في بلادهم بقر ولا معز أصلاً. ولباسهم اللبود لا يلبسون غيرها. ولهم عادة أن من اجتاز بهم يأخذون عشر ماله.
بلاد تاتار
هم جيل عظيم من الترك سكان شرقي الإقليم السادس، أشبه شيء بالسباع في قساوة القلب وفظاظة الخلق وصلابة البدن، وغلظ الطبع وحبهم الخصومات وسفك الدماء وتعذيب الحيوان، وخروجهم من معجزات رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو ما رواه أبو بردة عن أبيه قال: كنت جالساً عند رسول الله، عليه السلام، فسمعته يقول: إن أمتي يسوقها قوم عراض الوجوه صغار الأعين كأن وجوههم المجان المطرقة ثلاث مرات حتى يلحقوهم بجزيرة العرب، أما السابقة فينجو من هرب منهم، وأما الثانية فيهلك بعض وينجو بعض، وأما الثالثة فيهلك كلهم. قالوا: من هم يا رسول الله ؟ قال: هم الترك، أما والذي نفسي بيده لتربطن خيولهم إلى سواري مساجد المسلمين ! وعنه، صلى الله عليه وسلم: ان لله جنوداً بالمشرق اسمهم الترك ينتقم بهم ممن عصاه، فكم من حافيات حاسرات يسترحمن فلا يرحمن، فإذا رأيتم ذلك فاستعدوا للقيامة، وأما الديانات فليسوا منها في شيء وليس عندهم حل ولا حرمة، يأكلون كل شيء وجدوه ويسجدون للشمس ويسمونها إلهاً، ولهم لغة مخالفة لسائر الأتراك وقلم يكتبون به مخالف لسائر الأقلام.