مدينة مشهورة بديار بكر، كانت بها بيعة من عهد المسيح، عليه السلام، وبقي حائطها إلى وقتنا هذا. حكي أن ولاية هذه البلاد كانت لرجل حكيم اسمه مروثا من قبل قسطنطين الملك صاحب رومية الكبرى، فمرضت لشابور ذي الأكتاف بنت، وعجز أطباء الفرس عن علاجها، فأشار بعض أصحابه باستدعاء مروثا لعلاجها. فبعث إلى قسطنطين يسأله فبعثه إليه فعالجها مروثا، ففرح بذلك شابور وقال له: سل حاجتك ! فسأل مروثا الهدنة بينه وبين قسطنطين، فأجابه إلى لك، وكان يجري بينهما محاربات شديدة، ولما أراد الانصراف قال له شابور: سل حاجة أخرى! فقال: إنك قتلت خلقاً كثيراً من النصارى، فأسألك أن تأمر بجمع عظامهم لي ! فأمر له بذلك، فجمعوا من عظام النصارى شيئاً كثيراً، فأخذها معه إلى بلاده وأخبر قسطنطين بالهدنة وجمع العظام، فسر بذلك وقال له: سل حاجتك ! فقال: أريد أن يساعدني الملك على بناء موضع في بلادي. فكتب قسطنطين إلى كل من يجاوره المساعدة بالمال والرجال، فعاد إلى مكانه وبنى مدينة عظيمة، وجعل في وسط حائط سورها عظام شهداء النصارى التي جمعها من بلاد الفرس، وسمى المدينة مدور صالا، معناه مدينة الشهداء، واختار لبنائها وقتاً صالحاً لا تؤخذ عنوة، وجعل لها ثمانية أبواب: منها باب يسمى باب الشهوة، له خاصية في هيجان الشهوة أو إزالتها، لم يتحقق عند الناقل ولا ان هذه الخاصية للدخول أو الخروج. وباب آخر يسمى باب الفرح والغم بصورتين منقوشتين على الحجر. أما صورة الفرح فرجل يلعب بيده، وأما صورة الغم فرجل قائم على رأسه صخرة فلا يرى بميافارقين مغموم إلا نادراً. وفي برج يعرف ببرج علي بن وهب في الركن الغربي القبلي في أعلاه صليب منقور كبير، يقال إنه يقابل البيت المقدس، وعلى بيعة قمامة بالبيت المقدس صليب مثله، قيل إن صانعهما واحد، وبنى بيعة في وسط البلد على اسم بطرس وبولس، وهي باقية إلى زماننا في المحلة المعروفة بزقاق اليهود، فيها جرن من رخام أسود فيه منطقة الزجاج، فيها دم يوشع بن نون، عليه السلام، وهو شفاء من كل داء، وإذا طلي به البرص أزاله، قيل: ان مروثا جاء به من رومية الكبرى، أعطاه إياه قسطنطين عند عوده.
هرقلة
مدينة عظيمة بالروم، كرسي ملك القياصرة، بناها هرقل أحد القياصرة. غزاها الرشيد سنة إحدى وتسعين ومائة. نزل عليها يحاصرها، فإذا رجل خرج من أهلها شاكي السلاح ونادى: يا معشر العرب، ليخرج منكم العشرة والعشرون مبارزة ! فلم يخرج إليه أحد لأنهم انتظروا إذن الرشيد، وكان الرشيد نائماً، فعاد الرومي إلى حصنه، فلما أخبر الرشيد بذلك تأسف ولام خدمه على تركهم إيقاظه.