مدينة كبيرة من نواحي أرمينية، أهلها نصارى. من خواصها إسراع الجذام إلى أهلها لأن أكثر أكلهم الكرنب والغدد فيهم طبع، وفيهم خدمة للضيف وقرى، وحسن الطاعة لرهبانهم، والرهابين يلعبون بعقولهم، حكي انه إذا مرض أحدهم أحضر الراهب ودفع مالاً إليه ليستغفر له، ويحضر القس وانه يبسط كساء ويعترف المريض بذنب ذنب مما عمله، والقس قاعد يضم كفيه، كلما فرغ المذنب ينفض كفيه في الكساء إلى أن فرغ من تمام ذنوبه. وبعد فراغه يضم القس أطراف الكساء ويخرج بها وينفض في الصحراء، فيظنون أن الذنوب قد انمحت بالصدقة ودعاء القس.
وحكي أن فيهم من إذا تزوج ببكر يريد أن يفترعها الراهب، لتكون مباركة على زوجها ببركة الراهب.
إلبيرة
مدينة بالأندلس بقرب قرطبة. من أكرم المدن وأطيبها شديدة الشبه بغوطة دمشق في غزارة الأنهار والتفاف الأشجار وكثرة الثمار.
في ساحلها شجر الموز، ويحسن بها نبت قصب السكر، وبها معادن الذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص والصفر، ومعدن التوتيا ومقطع الرخام، وتحمل هذه الأشياء منها إلى سائر بلاد الأندلس.
وحكى أحمد بن عمر العذري: من أعمال البيرة موضع يسمى لوشة، فيه غار يصعد إليه أربعة أذرع ثم ينزل في غار نحو قامتين، يرى أربعة رجال موتى لا يعرف الناس حالهم، ألفوهم كذلك قديماً والملوك يتبركون بهم ويبعثون إليهم الأكفان، ولا ريب أنهم من الصلحاء لأن بقاءهم على حالهم مدة طويلة، بخلاف سائر الموتى، لا يكون إلا لأمر؛ قال العذري: حدثني من دخل عليهم وكشف عن وجه أحدهم فرأى دراعة على وجهه وقال: نقرت بإصبعي على بطنه فصوت كالجلد اليابس.
ألش
مدينة بالأندلس بقرب تدمير. من خواصها أن النخل لا ينجح بجميع بلاد الأندلس إلا بها. ويوجد بها زبيب ليس في جميع البلاد مثله، يحمل منها إلى سائر بلاد الأندلس. وبها صناع البسط الفاخرة وليس مثلهم في شيء من بلاد الأندلس.
الأندلس
جزيرة كبيرة بالمغرب فيها عامر وغامر. طولها دون الشهر في عرض نيف وعشرين مرحلة، ودورها أكثر من ثلاثة أشهر. ليس فيها ما يتصل بالبر إلا مسيرة يومين، والحاجز بين بلاد الأندلس وافرنجة جبل.
قال أحمد بن عمر العذري صاحب المسالك والممالك الأندلسية: إن الأندلس وقعت متوسطة بين الأرض كما هي متوسطة بين الأقاليم، فبعضها في الإقليم الرابع، وبعضها في الإقليم الخامس. وبها مدن كثيرة وقرى وأنهار وأشجار، وبها الرخص والسعة.
وبها معادن الذهب والفضة والرصاص والحديد في كل ناحية، ومعدن الزئبق والكبريت الأحمر والأصفر والزنجفر الجيد والتوتيا، والشبوب على أجناسها والكحل المشبه بالأصفهاني. وبها من الأحجار الياقوت والبلور والجزع واللازورد والمغناطيس والشادنج، والحجر الذي يقطع الدم والحجر اليهودي والمرقشيثا وحجر الطلق. وبها أصناف الرياحين حتى سنبل الطيب والقسط والاشقاقل، وبها الانبرباريس والعود.
حكى العذري أن بعض الولاة ولى ناحية بشرة فشم رائحة العود، فوجدوا من دار رجل ضعيف ووجدوا عنده عوداً كثيراً يتقد به، فرأوه فإذا هو ذكي من عود الهند، فسئل عن موضع احتطابه فحملهم إلى جبل من جبال وفر، فحفروا وأخرجوا بقيته واشتهر بين الناس.
وأهل الأندلس زهاد وعباد والغالب عليهم علم الحديث، ويقع في بلاد الأندلس من الخدم والجواري المثمنات على غير صناعة بل على حسنهم بألف دينار. ولأهلها إتقان في جميع ما يصنعونه إلا أن الغالب عليهم سوء الخلق.
ومن عجائب الدنيا أمران: أحدهما المملكة الإسلامية بالأندلس مع إحاطة الفرنج من جميع الجوانب والبحر بينهما وبين المدد من المسلمين، والآخر المملكة النصرانية بساحل الشام مع إحاطة المسلمين من جميع الجوانب والبحر بينهما وبين المدد من الإفرنج.
قال العذري في وصف الأندلس: إنها شامية في طيبها وهوائها، يمانية في اعتدالها واستوائها، هندية في أفاويهها وذكائها، اهوازية في عظم اجتنائها، صنفية في جواهرها، عدنية في سواحلها.
بها آثار عجيبة وخواص غريبة تذكر في مواضعها.