وقال أمية بن أبي الصلت يمدح سيف بن ذي يزن في قصيدة آخرها:
فاشرب هنيئاً عليك التاج مرتفقاً ... في رأس غمدان داراً منك محلالا
تلك المكارم لا قعبان من لبنٍ ... شيبا بماء فصارا بعد أبوالا
وذكر أن التبابعة إذا قعدوا على هذا القصر وأشعلوا شموعهم يرى ذلك على مسيرة أيام.
حكي أن عثمان بن عفان، رضي الله عنه، لما أمر بهدم غمدان قالوا له: إن الكهنة يقولون هادم غمدان مقتول ! فأمر بإعادته، فقالوا له: لو أنفقت عليه خراج الارض ما أعدته كما كان، فتركه، ولما خربه وجد على خشبة من أخشابها مكتوباً: اسلم غمدان، هادمك مقتول. فهدمه عثمان بن عفان فقتل.
ووجد على حائط ايوان من مجالس تبع مكتوباً:
صبراً الدّهر نال منك فهكذا مضت الدهور
فرحٌ وحزنٌ بعده لا الحزن دام ولا السّرور
وبصنعاء جبل الشب وهو جبل على رأسه ماء يجري من كل جانب وينعقد حجراً قبل أن يصل إلى الأرض، وهو الشب اليماني الأبيض الذي يحمل إلى الآفاق.
ومن عجائب صنعاء ما ذكر أنه كان بها قبة عظيمة من جمجمة رجل. وبها نوع البر حبتان منه في كمام، ليس في شيء من البلاد غيرها، وبها الورس وهو نبت له خريطة كالسمسم، زرع سنة يبقى عشرين سنة.
وحكي أن أمير اليمن لما آل إلى الحبشة، بنى أبرهة بن الصبا بها كنيسة لم ير الناس أحسن منها، وسماها القليس، وزينها بالذهب والفضة والجواهر، وكتب إلى النجاشي: إني بنيت لك كنيسة ليس لأحد مثلها من الملوك، وأريد أصرف إليها حج العرب. فسمع ذلك بعض بني مالك بن كنانة فأتاها وأحدث فيها، فسأل أبرهة عنه، فقالوا: إنه من أهل البيت الذي يحج إليه العرب. فغضب وآلى ليسيرن إلى الكعبة ويهدمنها، ثم جاء بعسكره وفيلته، فأرسله الله تعالى عليهم طيراً أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول.
وبها الجنة التي أقسم أصحابها لنصرمنها مصبحين، وهي على أربعة فراسخ من صنعاء، وكانت تلك الجنة لرجل صالح ينفق ثمراتها على عياله، ويتصدق على المساكين، فلما مات الرجل عزم أصحابه على أن لا يعطو للمساكين شيئاً، فانطلقوا وهم يتخافتون أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين، فلما رأوها قالوا إنا لضالون، يعني ما هذا طريق بستاننا، فلما رأوا الجنة محترقة قالوا: بل نحن محرومون. ويسمى ذاك الوادي الضروان، وهو واد ملعون، حجارته تشبه أنياب الكلاب، لا يقدر أحد أن يطأها، ولا ينبت شيئاً ولا يستطيع طائر أن يطير فوقه، فإذا قاربه مال عنه؛ قالوا: كانت النار تتقد فيها ثلاثمائة سنة.
الصين
بلاد واسعة في المشرق ممتدة من الإقليم الأول إلى الثالث، عرضها أكثر من طولها، قالوا: نحو ثلاثمائة مدينة في مسافة شهرين. وانها كثيرة المياة كثيرة الأشجار كثيرة الخيرات وافرة الثمرات، من أحسن بلاد الله وأنزهها، وأهلها أحسن الناس صورة وأحذقهم بالصناعات الدقيقة، لكنهم قصار القدود عظام الرؤوس، لباسهم الحرير، وحليهم عظام الفيل والكركدن، ودينهم عبادة الأوثان. وفيهم مانوية ومجوس، ويقولون بالتناسخ ولهم بيوت العبادات.
من عجائب الصين الهيكل المدور؛ قال المسعودي: هذا الهيكل بأقصى بلاد الصين وله سبعة أبواب، في داخله قبة عظيمة البنيان عالية السمك، وفي أعلى القبة شبه جوهرة كرأس عجل يضيء منها جميع أقطار الهيكل، وان جمعاً من الملوك حاولوا أخذ تلك الجوهرة فما تمكنوا من ذلك، فمن دنا منها قدر عشرة أذرع خر ميتاً، وإن حاول أخذها بشيء من الآلات الطوال، فإذا انتهت إليها هذا المقدار انعكست. وكذلك إن رمى إليها شيئاً، وإن تعرض أحد لهدم الهيكل مات، وفي هذا الهيكل بئر واسعة الرأس، من أكب عليها وقع في قعرها، وعلى رأس البئر شبه طوق مكتوب عليه: هذه البئر مخزن الكتب التي هي تاريخ الدنيا وعلوم السماء والأرض، وما كان فيها وما يكون، وفيها خزائن الأرض لكن لا يصل إليها إلا من وازن علمه علمنا، فمن قدر عليه علمه كعلمنا، ومن عجز فليعلم أنه دوننا في العلم.
والأرض التي عليها هذا الهيكل أرض حجرية عالية كجبل شامخ لا يرام قلعه، ولا يتأتى نقبه، وإذا رأى الناظر إلى تلك الهيكل والقبة والبئر وحسن بنيتها، مال قلبه إليها وتأسف على فساد شيء منها.