يريد أن الحقوق إنما تصح بواحدةٍ من هذه الثلاث: يمينٌ أو محاكمةٍ أو حجةٌ بينةٌ واضحةٌ. وكان عمر بن الخطاب رضى الله عنه إذا أنشد هذا تعجب من معرفته بمقاطع الحقوق.
ومن ذلك قوله:
يَطْعُنُهُم ما ارْتَمَوْا حَتَّى إِذَا اطَّعَنُواضارَبَ حَتَّى إِذَا ما ضارَبُوا اعْتَنَقَا
فجمع في بيت واحد صنوف القتال.
ومن ذلك قوله:
اَلِّستْرُ دُونَ الفاحشاتِ ولا ... يَلْقاكَ دُونَ الخَيْرِ من سِتْرِ
ومما يستجاد له:
وذِي نِعْمَةٍ تَمًّمْتَها وشَكَرْتَها ... وخَصْمٍ يَكادُ يَغْلَبُ الحَقَّ باطُلهْ
دَفَعْتَ بمَعْرُوفٍ منَ القَوْلِ صائِبٍ ... إذا ما أَضَلَّ الناطِقِينَ مَفاصِلُهْ
وذِي خَطَلٍ في القَوْل يَحْسِبُ أَنَّهُ ... مُصِيبٌ فما يُلْمِمْ به فهو قائلُهْ
عَبَأْتَ له حلْماً وأَكْرَمْتَ غَيْرَه ... وأَعْرَضْتَ عنه وهو باد مَقَاتِلُهْ
وذِي نَسَبٍ ناءٍ بَعِيدٍ وصَلْتَهُ ... بمالٍ وما يَدْرِي بأَنَّكَ واصِلُهْ
وأَبْيَضَ فَيَّاضٍ يَدَاهُ غَمَامَةٌ ... على مُعْتَفِيهِ ما تُغِبُ نَوَافِلُهْ
غَدَوْتُ عَلَيْهِ غُدْوَةً فوَجَدْتُه ... قُعُوداً لَدَيْهِ بالصَّريم عَوَاذِلُه
يُفَدِّينَهُ طَوْراً وطَوْراً يَلُمْنَهُ ... وأعْيَا فما يَدْرينَ أَيْنَ مَخاتِلُهْ
وأَعْرَضْنَ منه عن كَرِيمٍ مُرَزَّإٍ ... جَمُوعٍ على الأَمْرِ الذي هو فاعله
أَخِي ثِقَةِ ما تُذْهِبُ الخَمْرُ مالَهُ ... ولِكَّنُه قد يُذْهِبُ المالَ نائلُهْ
تَرَاهُ إذا ما جِئْتَهُ مُتَهلِّلاً ... كأَنَّكَ تُعْطِيهِ الذي أَنْتَ سائِلُهْ
ومن ذلك قوله، ويقال إنه لولده كعب:
ولَيْسَ لِمَنْ لم يَرْكَبِ الهَوْلَ بُغْيَةٌ ... ولَيْسَ لرَحْل حَطَّهُ اللهُ حامِل
إِذا أَنْتَ لم تُعْرضْ عنِ الجَهْلِ والخَنَا ... أَصَبْتَ حَلِيماً أَو أَصابكَ جاهِلُ
ومن ذلك قوله:
وفيهمُ مَقاماتٌ حِسانٌ وُجُوهُهُمْ ... وأَنْدِيَةٌ يَنْتابُها القَوْلُ والفِعْلُ
على مُكْثِرِيهمْ رِزْقُ مَنْ يَعْتَرِيهِمُ ... وعِنْدَ المُقِلِّينَ السَّماحَةُ والبَذْلُ
سَعَى بَعْدَهُمْ قَوْمٌ لِكَىْ يُدْرِكُوهُمُفلم يَبْلُغُوا ولم يُلِيمُوا ولم يَأْلُوا
وأخذ العلماء عليه قوله يذكر الضفادع:
يَخْرُجْنَ مِن شَرَباتِ ماؤُها طَحِلٌ ... على الجُذُوعِ يَخَفْنَ الغَمَّ والغَرَقَا
وقالوا: ليس خروج الضفادع من الماء مخافة الغم والغرق، وإنما ذلك لأنهن يبضن في الشطوط.
وأخذ عليه قوله:
ثَّم اسْتَمَرُّوا وقالوا إِنَّ مَشْرَبَكُمْ ... ماءٌ بشَرْقِيِّ سَلْمَى فَيْدُ أَورَكَكُ
وقال الأصمعي: سألت بجنيات فيد عن الركك؟ فقالوا لي: ما هنا ركك ولكن رك فعلمت أن زهيراً احتاج فضعف.
وأخذ على ابنه كعبٍ قوله في وصف ناقة:
ضَخْمٌ مُقلَّدُها فَعْمٌ مُقَيَّدُها
قال الأصمعي: هذا خطاء، إنما توصف النجائب بدقة المذبح.
ومما يستجاد لكعبٍ ابنه قوله يذكر رجلا قتل من مزينة رهطه:
لَقَدْ وَلَّى أَلِيَّتَهُ جُوَىٌّ ... مَعَاشِرَ غَيْرَ مَطْلولٍ أَخُوها
فإنْ تَهْلِكْ جُوَىُّ فكُلُّ نَفْسٍ ... سَيَجْلِبُها لذلك جالِبُوها
وإنْ تَهْلِكْ جُوَىُّ فإنَّ حَوْلِي ... كَظَنِّكَ كان بَعْدَك مُوقدُوها
وما ساءَتْ طُنُونُك يَوْمَ تُؤْتَى ... بأَرْماحٍ وَفَى لك مُشْرِعُوها
كأَنَّك كُنْتَ تَعْلَمُ يَوْمَ بُزَّتْ ... ثِيَابُك ما سَيَلْقَى سالِبوها
فما قُلْنا لهم نَفْسٌ بنَفْسٍ ... أَقِيدُونا بها إن لم تَدُوها
ولكنَّا دَفَعْناها ظِماءً ... فرَوَّاها بذِكْرِك مُنْهلُوها
ولو بَلَغَ القَتِيلَ فَعَالُ حَيٍّ ... لَسَرَّكَ من سُيُوفك مُنْتَضُوها
ومن ذلك قوله: