فلمَّا تَنَازَعنْا الحَديِثَ وأَسْمَحَتْ ... هَصَرْتُ بغُضْنٍ ذي شَمَارِيخَ مَيَّالِ
وصِرْنا إلى الحُسَنى ورَقَّ كَلاَمُنا ... ورُضْتُ فذَلَّتْ صَعْبَةً أيَّ إذْلال
فأَصْبَحْتُ مَعْشُوقاً وأَصْبَحَ بَعْلُهاعَلَيْهِ القَتَامُ سَيِّىءَ الظَّنِّ والبالِ
زهير بن أبي سلمى
هو زهير بن ربيعة بن قرط، والناس ينسبونه إلى مزينة، وإنما نسبه في غطفان، وليس لهم بيت شعرٍ ينتمون فيه إلى مزينة إلا بيت كعب بن زهير، وهو قوله:
هُمُ الأَصْل مِنَّى حَيْثُ كُنْتُ وإِنَّني ... من المُزَنِيينَ المُصَفَّيّنَ بالكَرَمْ
ويقال إنه لم يتصل الشعر في ولد أحدٍ من الفحول في الجاهلية ما اتصل في ولد زهير، وفي الإسلام ما اتصل في ولد جرير.
وكان زهير راوية أوس بن حجر.
ويروى عن عمر بن الخطاب أنه قال: أنشدوني لأشعر شعرائكم، قيل: ومن هو؟ قال: زهير، قيل: وبم صار كذلك؟ قال: كان لا يعاظل بين القول، ولا يتبع حوشي الكلام، ولا يمدح الرجل إلا بما هو فيه، وهو القائل:
إِذَا ابْتَدَرَتْ قَيْسُ بنُ عَيْلاَنَ غايَةًمِنَ المَجْدِ مَنْ يَسْبِقْ إِلَيْها يُسَوَّدِ
سَبَقْتَ إِلَيْها كُلَّ طَلْقٍ مُبَرزٍ ... سَبُوقٍ إلى الغاياتِ غَيْرِ مُخَلدِ
ويروى غير مبلد والمخلد في هذا الموضع: المبطى.
فلَوْ كان حَمْدٌ يُخْلِدُ الناسَ لم تَمُتْ ... ولكِنَّ حَمْدَ المَرْءٍ لَيْسَ بمُخْلدِ
وكان قدامة بن موسى عالماً بالشعر، وكان يقدم زهيراً ويستجيد قوله:
قَدْ جَعَلَ المُبْتَغُونَ الخَيْرَ في هَرِمٍ ... والسَّائِلُونَ إلى أَبْوَابِهِ طُرُقَا
مَنْ يَلْقَ يَوْماً على عِلاَّتِهِ هَرِماً ... يَلْق السَّمَاحَةَ فيهِ والنَّدَى خُلُقَا
قال عكرمة بن جريرٍ: قلت لأبي: من أشعر الناس؟ قال: أجاهليةً أم إسلاميةً؟ قلت: جاهليةً؟ قال: زهير، قلت: فالإسلام؟ قال: الفرزدق، قلت: فالأخطل؟ قال: الأخطل يجيد نعت الملوك ويصيب صفة الخمر، قلت له: فأنت؟ قال أنا نحرت الشعر نحراً.
قال عبد الملك لقومٍ من الشعراء: أي بيت أمدح؟ فاتفقوا على بيت زهيرٍ:
تَرَاهُ إذَا ما جِئْتَهُ مُتَهَلَّلاً ... كأَنَّكَ تُعْطِيهِ الِّذِي أَنْتَ سائِلُهْ
قيل لخلف الأحمر: زهيرٌ أشعر أم ابنه كعب؟ قال: لولا أبياتٌ لزهيرٍ أكبرها الناس لقلت إن كعباً أشعر منه، يريد قوله:
لِمَنِ الديارُ بقُنَّةِ الِحَجْرِ ... أَقوَيْنَ من حِجَجٍ ومن دَهْرِ
ولَأَنْتَ أَشْجَعُ من أُسَامَةَ إِذْ ... دُعِىَ النزَالُ ولُجَّ في الذُّعْرِ
ولَأَنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْ ... ضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي
لَوْ كُنْتَ من شيءٍ سِوَى بَشَرٍ ... كُنْتَ المُنَوِّرَ لَيْلَةَ البَدْرِ
وكان زهير يتأله ويتعفف في شعره، ويدل شعره على إيمانه بالبعث وذلك قوله:
يُؤَخَّرْ فيُوَدَعْ في كِتاب فيُدَّخَرْ ... لِيَوْمِ الحِسابِ أَو يُعَجَّلْ فيُنْقَم
وشبه زهيرٌ امرأةً في الشعر بثلاثة أوصافٍ في بيت واحد فقال:
تَنَازَعَتِ المَهَا شَبَهاً ودُرَّ البُ ... حُورِ وشاكَهَتْ فيها الظِّبَاءُ
ثم قال ففسر:
فأَمَّا ما فُوَيْقَ العِقْدِ منها ... فمِنْ أَدْماءَ مَرْتَعُهَا الخَلاَءُ
وأَمَّا المُقْلَتانِ فمن مَهَاةِ ... وللدُّرِّ المَلاَحَةُ والصَّفاءُ
وقال بعض الرواة: لو أن زهيراً نظر في رساله عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري، ما زاد على ما قال:
فإِنَّ الحَقَّ مَقْطَعُهُ ثَلاَثٌ ... يَمينٌ أَو نِفَارٌ أَو جِلاَءُ
يعني يميناً أو منافرةً إلى حاكم يقطع بالبينات أو جلاءً، وهو بيان وبرهانٌ يجلو به الحق وتتضح الدعوى.
ومما يتمثل به من شعره:
وهَلْ يُنْبِتُ الخَطِّىَّ إلاَّ وَشِيجُهُ ... وتُغْرَسُ إلاَّ في مَعَادِنِها النَّخْلُ
ويستحسن قوله:
يَطْعَنُهُمْ ما ارْتَمَوْا حَتَّى إذا اطَّعَنُواضارَبَ حَتَّى إذا ما ضارَبُوا اعْتَنَقَا
ويستحسن أيضاً قوله: