أبا جعفر خف نبوة بعد دولة ... وعرج قليلاً عن مدى غلوائكا
فإن يك هذا اليوم يوماً حويته ... فإن رجائي في غد كرجائكا
فما مرت الأيام حتى كان من أمر محمد ما كان، وولي إبراهيم ديوان الرسائل فأمر أن ينشأ فيه رسالة بقلة طاعته ففعل.
كان بين أبي الخطاب الصابي وبين أبي كعب الداهية التي لا ترام بعد صداقة كانت زائدة على شبكة الرحم، ولحمة النسب، فقيل له - أعني أبا الخطاب - كيف أنت مع ابن كعب فأنشد:
خليلان مختلف شأننا ... أريد العلاء ويبغي السمن
وكان ابن الجلاء الزاهد بمكة يقول لأصحابه: اطلبوا خلة الناس في هذه الدنيا بالتقوى تنفعكم في الدار الأخرى، ألم تسمعوا الله تعالى يقول: " الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين " .
وقال الحراني في تصنيف الناس: منهم من هو كالغذاء الذي يمسك رمقك ولابد لك منه على كل حال، لأنه قوام حياتك، وزينة دهرك، ومنهم من هو كالدواء يحتاج إليه في الحين بعد الحين على مقدار محدود، ومنهم من هو كالسهم الذي لا ينبغي أن تقربه فإنه سبب هلكتك.
قيل لأعرابي: كيف أنسك بالصديق؟ قال: وأين الصديق، بل أين الشبيه به، بل أين الشبيه بالشبيه به؟ والله ما يوقد نار الضغائن والذحول في الحي إلا الذين يدعون الصداقة، وينتحلون النصيحة، وهم أعداء في مسوك الأصدقاء وما أحسن ما قال حضريكم:
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت ... له عن عدو في ثياب صديق
وقال آخر:
إذا نوبة نابت صديقك فاغتنم ... مرمتها فالدهر بالناس قلب
وبادر بمعروف إذا كنت قادراً ... وحاذر زوالاً من غنى عنك يعقب
فأحسن ثوبيك الذي هو لابس ... وأفره مهريك الذي هو يركب
أيضاً:
اجعل صديقك من إذا أحببته ... حفظ الإخاء وكان دونك يضرب
واطلبهم طلب المريض شفاءه ... ودع اللئيم فليس ممن يصحب
يعطيك ما فوق المنى بلسانه ... ويروغ عنك كما يروغ الثعلب
واحذر ذوي الملق اللئام فإنهم ... في النائبات عليك ممن يخطب
فلقد نصحتك إن قبلت نصيحتي ... والنصح أفضل ما يباح ويوهب
آخر:
خير إخوانك المشارك في الض ... ر وأين الشريك في الضر أينا؟
لا يني جاهداً يحوطك في الحض ... ر فإن غبت كان أذناً وعينا
أنت في معشر إذا غبت عنهم ... بدلوا كل ما يزينك شينا
وإذا ما رأوك قالوا جميعاً: ... أنت من أكرم البرايا علينا
وقلت لأبي المتيم الصوفي الرقي: كيف حالك مع فلان؟ قال: نتداوى بالرياء إلى أن يفرج الله، قلت: هلا تخالصتما عن الرياء والنفاق؟ فقال: والله إن خوفي من أن يصير الرياء والنفاق مكاشفة، والمكاشفة مفارقة، أشد من خوفي من الرياء. والعجب أن المؤونة علينا في الصبر على هذه الحال أغلظ من المؤون لو تصافينا، إلا أن التصافي لا يكون مني وحدي، ولا منه وحده، ولعله يتمنى ذلك مني، كما أتمنى ذلك منه، ولكن لا يطابق ذلك مطابقة لحيلولة الزمان، والفساد العام، وغلبة ما لا سبيل إلى تغييره، طلعت الأرض بأهلها، والحاجة ماسة إلى كلمة طرية، ودعوة فاشية، وأمر جامع، حتى تأتلف القلوب، وتنتفي العيوب، وهذا إلى الله الذي خلق الخلق، ودبر الشأن، وتفرد بالغيب، وتعزز بالقدرة، وكما أن في السنة الواحدة للزمان أحوالاً في الحر المفرط، والحر المتوسط، والبرد المتوسط، كذلك للدهر المديد أحوال في الخير العام، والشر العام، والخير الخاص، والشر الخاص، والعاقل من لا يتمنى مالا يوجد، ولكن يصبر على ما يجد إن حلواً فحلواً، وإن مراً فمراً، إلى أن يأذن الله بالفرج من حيث لا يحتسب.
قال معمر صاحب عبد الرزاق: ما بقي من لذات الدنيا إلا محادثة الإخوان، وأكل القديد، وحك الجرب، والوقيعة في الثقلاء.
قال الشاعر:
وما بقيت من اللذات إلا ... محادثة الرجال ذوي العقول
وقد كانوا إذا عدوا قليلاً ... فقد صاروا أقل من القليل
قال الأحنف: لا خير في صديق لا وفاء له، ولا خير في منظر لا مخبر له، ولا خير في فقه لا ورع معه.