أما بعد: فإن الحال التي أشرت إليها ببيانك الناصع، من أدبك البارع، فهي والله محوطة بالنفس والروح، مذبوب عنها بالخاطر، عند اللمحة والسنوح، وتالله أعوذ كما عدت من ريب تتوجه نحوها، أو شوب يدب إليها، وكيف ذاك والشفقة عليها مرفرفة، والرأفة بها موكلة، ويد الثقة بعينها وشهادتها حاضنة، والنفس إلى كل ما يرد منها أو يصدر إليها ساكنة، فهذا باب ينبو عن الكلام فيه لمغالطة مخوفة تجري عليه، فأما الحديث الذي نمى إليك نبيذ منه مما دار بيني وبين مولانا - حرس الله مكانه - ونصر سلطانه، فليس فيه إلا ما يجذب بصنعك إلى العلياء، ويقر عينك بين الأولياء، ويطيل باعك على الأعداء، ويجعلك واحد الدنيا بين الأرض والسماء، فثق بما قلت، واسكن إلى ما كتبت، فإن الخير متيقن، والسعادة مظلة، والولي مرفوع، والعدو موضوع، والله على جميع ذلك مشكور محمود، ولولا أن القلم لا يطيق صريح ما همك، لحملته كيف ما كان إليك، واللقاء صبحة يوم الاثنين عندك على الروشن الميمون: فإن رأيت أن تصرف عن بالك، كل شاغل عن ذلك، وتملأه بكل سار بذلك فعلت، مهدياً به إلي روحاً أتعجله، وسروراً أنتظره، إن شاء الله.
وكتب ابن عبيد الكاتب إلى ابن الجمل الكاتب كاتب نصر الدولة شاشنيكير:
بسم الله الرحمن الرحيم
الصداقة - أطال الله مدتك - التي قد وكدها الله بيننا بالدين أولاً، ثم بالجوار ثانياً، ثم بالصناعة ثالثاً، ثم بالممالحة رابعاً، ثم بالمنشأ خامساً، ثم بالمعاقرة سادساً، ثم بالتجربة سابعاً، ثم بالإلف ثامناً، ثم بالميلاد تاسعاً، ثم بانتظام هذه كلها عاشراً تتقاضاني لك حقوقاً، أنت عن التقصير فيها أغنى، وأنا بالإعفاء عنها أملى، وإذا كنا على هذا السياج دارجين، وفي هذه الحومة داخلين، وعنها خارجين، فليس لحاسد إلينا سبيل، ولا لمتكلف علينا دليل، والله إنك لتذكر، وأجد لذكرك عبقاً يزيد على عبق العنبر، وتوصف فأرى لوصفك مالا يراه أحد من البشر لأحد من البشر، وربما حلمت بك في الرؤيا، فيكون في ذلك قوتي طول يومي، ومن كان هذا نعته من أجلك، فكيف ينمق بالقلم شوقه إليك، وكيف يذكر ما يختصه لك، وكيف يجهز ما يشتمل عليه من خالصته ومحبته إليك قد يقصر اللفظ للطف المعنى، كما يطول المعنى لقصر اللفظ، والإخاء إذا قدم استحصدت مرائره، واستوسقت سرائره، وعند ذلك يكون الوصف باللسان تكلفاً، والتكلف للوصف تأففاً، وقد حضر لعبدك ولدي ختان أنت أولي الناس فيه بالقيام والقعود، بين الناي والعود، فإن رأيت أن تبدر إلى ذلك غداة غد، مكافحاً للشمس عند الطلوع، غير عائج إلى غيره فعلت إن شاء الله.
فأجابه ابن الجمل:
بسم الله الرحمن الرحيم
لقد أوتيت - مد الله في عمرك - لساناً، وبياناً، وقلماً، وخطاً، فمن رام شأوك انقعص، ومن توهم اللحاق بك نكص، فلله درك من ساحر بلفظه، وخالب بقلمه، ومؤيد بعقله، ومسعود بفضله، ومقدم بفرعه وأصله، ومشهور بإنصافه وعدله، ذكرت الصداقة التي وكدها الله بيننا بالأسباب التي أحصيتها، والوجوه التي سردتها، ولو لم يكن الحال على ما وصفت لكان الذي أوجبه لك على نفسي من الطاعة إذا دعوتني، والائتمار إذا أمرتني، والتشرف إذا ناجيتني، والانتساب إليك إذا قبلتني، والاعتماد عليك إذا أذنت لي فوق مودات أهل الزمان، بدرجات عاليات، وقامات مديدات، وباقيات صالحات، فكيف ونحن نجتمع في نصاب، ونجتلي في نقاب، ليس لنا في إخلاص المودة شريك، ولا يتقدمنا فيها ضريب، وما أسأل الله بعد هذا كله إلا دوامها، وصرف العيون عنها، ومد الإمتاع بها، وسكون النفس والروح إليها. فأما ما أومأت إليه من البدار إلى خدمة ولدك سيدي - نماه الله - فإني غير ملتفت إلى فرض ونفل دونه والسلام.
وقال جعفر بن يحيى لبعض ندمائه: كم لك من صديق؟ قال: صديقان قال: إنك لمثر من الأصدقاء.
وقال سهل بن هارون: الصديق لا يحاسب، والعدو لا يحتسب له.
قيل لأبي العيناء: هل ظفرت بصديق موال؟ قال: ولا بعدو مرائي.
ولما احتاج زياد إلى الحقنة وصفت له فتفحشها فقيل له: إنما يتولاها الطبيب، قال: إن كان لابد منها فالصديق.
قيل للجنيد: ابن عطاء يدعي صداقتك فهل هو كما يقول؟ قال: هو فوق ما يقول، وأجد ذلك له من قلبي بشواهد لا تكذبني عنه، ولا تكذبه عني.