وسَمْسحَة المَشْيِ شِمْلالٍ قَطَعْتُ بها ... أَرْضاً يَحارُ بها الهادُونَ دَيْمُومَا
مَهامهاً وخُروقاً لا أنِيسَ بها ... إلاَّ الضَّوابحَ والأَصْداءَ والبُومَا
قال
أبو ذؤيب
أَمِنَ المَنُونِ ورَيْبِها تَتَوَجَّعُ ... والدَّهْرُ ليسَ بِمُعْتِبٍ مَنْ يَجْزَعُ
قالتْ أُمَيْمَةُ: ما لِجِسْمِكَ شاحِباً ... مُنْذُ ابْتُذِلْتَ ومثلُ مالِكَ يَنْفَعُ
أَمْ ما لِجَنْبِكَ لا يُلائِمُ مضْجَعاً ... إِلاَّ أَقَضَّ عَليكَ ذَاكَ المضْجَعُ
فأَجَبْتُها: أَمَّا لجِسْمي أَنَّهُ ... أَوْدَى بَنِيَّ منَ البلادِ فَوَدَّعُوا
أَوْدَى بَنِيَّ وأَعْقَبونِي غُصَّةً ... بَعْدَ الرُّقَادِ وعَبْرَةً لا تُقْلِعُ
سَبَقوا هَوَيَّ وأَعْنقُوا لِهَواهُمُ ... فَتُخُرِّموا، ولُكلِّ جَنْبٍ مَصْرَعُ
فَغَبَرْتُ بَعْدَهُمُ بِعَيش ٍناصِبٍ ... وأَخالُ أَنِّي لاَحِقٌ مُسْتَتْبَعُ
ولقد حَرَصْتُ بأَنْ أُدافِعُ عنهمُ ... فإِذا المَنيَّةُ أَقْبَلَتْ لا تُدْفَعُ
وإِذَا المَنِيَّةُ أَنْشَبَتْ أَظفارَها ... أَلْفَيْتَ كلَّ تَمِيمةٍ لا تَنْفَعُ
فالعَيْنُ بعدَهُمُ كأَنَّ حِدَاقَها ... سُلِمَتْ بِشَوْكٍ فَهْيَ عُورٌ تَدْمَعُ
حتى كأَنِّي للحَوادِثِ مَرْوَةٌ ... بِصَفا المُشَرَّقِ كُلًّ يوم تُقْرَعُ
وتَجَلُّدِى لِلشَّامِتِينَ أُرِيهِمُ ... أَنِّي لِرَيْبِ الدَّهْرِ لا أَتضَعْضَعُ
والنَّفْسُ راغِبَةٌ إِذَا رَغَّبْتَها ... وإِذَا تُرَدُّ إِلى قَليلٍ تَقْنَعُ
ولَئِنْ بِهِمْ فَجَعَ الزَّمانُ ورَيْبُهُ ... إِنِّي بِأَهْلِ مَوَدَّتِي لَمُفْجَّعُ
كَمْ مِنْ جَمِيعِ الشمْلِ مُلْتَئِم القُوَى ... كانوا بعَيْشٍ قَبْلَنا فَتَصدَّعُوا
والدَّهْرُ لا يَبْقَى عَلَى حَدَثانِهِ ... جَوْنُ السَّرَاةِ لهُ جَدَائِدُ أَرْبَعُ
صَخِبُ الشَّوارِبِ لايَزَالُ كأَنَّهُ ... عَبْدٌ لآِلِ أَبي رَبيعَةَ مُسْبَعُ
أَكَلَ الجَمِيمَ وطاوَعَتْهُ سَمْحَجٌ ... مِثْلُ القَناةِ وأَزْعَلَته الأَمْرُعُ
بِقَرَارِ قِيعانٍ سَقاها وَابِلٌ ... وَاهٍ، فَأَثْجَمَ بُرْهَةً لا يُقْلِعُ
فَلَبِثْنَ حِيناً يَعْتَلِجْنَ بِرَوْضِهِ ... فَيُجِدُّ حِيناً في العِلاَجِ ويَشْمَعُ
حتَّى إِذَا جَزَرَتْ مِياهُ رُزُونِهِ ... وبأَيِّ حِينِ مَلاوَةٍ تَتقَطَّعُ
ذكَرَ الْوُرُودَ بها وشَاقَى أَمْرَهُ ... شُؤْمٌ وأَقْبَلَ حَيْنُهُ يَتَتَبَّعُ
فَافْتَنَّهُنَّ مِنَ السوَاءِ وماؤُهُ ... بَثْرٌ، وعانَدَهُ طرِيقٌ مَهْيَعُ
فكأَنَّها بالجِزْعِ بَيْنَ نُبايعٍ ... وأُولاَتِ ذِي العَرْجاءِ نَهْبٌ مُجْمَعُ
وكأَنَّهُنَّ رِبابةٌ وكأَنَّهُ ... يَسَرٌ يُفِيضُ على القِدَاحِ ويَصْدَعُ
وكأَنَّما هُو مِدْوَسٌ مُتقَلِّبٌ ... في الكَفِّ إِلاَّ أَنَّهُ هُوَ أَضْلَعُ
فَوَرَدْنَ والعَيُّوقُ مَقْعَدَ رَابىءِ ال ... ضُّرَباءِ فَوقَ النَّظْمِ لا يَتَتَلَّعُ
فَشَرَعْنَ في حَجَرَات عَذْبٍ بارِدٍ ... حَصِبِ البِطاحِ تَغِيبُ فيه الأَكرُعُ
فَشَرِبْنَ ثمَّ سَمِعْنَ حِسًّا دُونَهُ ... شَرَفُ الحِجابِ ورَيْبَ قَرْعٍ يُقْرَعُ
ونَمِيمَةً مِنْ قانِصٍ مُتلَبَّبٍ ... في كَفِّهِ جَشْءٌ أَجَشُّ وأَقْطَعُ