ونظر ابن أبي ذئب إلى عائشة بنت طلحة تطوف بالبيت، فقال لها: من أنت؟ فقالت:
من اللاء لم يحججن يبغين حسبةً ... ولكن ليقتلن البريء المغفلا
فقال لها: صان الله ذلك الوجه عن النار. فقيل له: أفتنتك يا عبد الله؟ قال: لا، ولكن الحسن مرحوم.
وقال يونس: أخبرني محمد بن إسحاق، قال: دخلت على عائشة بنت طلحة فوجدتها متكئة، ولو أن بختية نوخت خلفها ما ظهرت.
السري بن إسماعيل عن الشعبي، قال: إني لفي المسجد نصف النهار، إذ سمعت باب القصر يفتح، فإذا بمصعب بن الزبير ومعه جماعة. فقال: يا شعبي، اتبعني. فاتبعته. فأتى دار موسى بن طلحة، فدخل مقصورةً ثم دخل أخرى، ثم قال: يا شعبي، اتبعني، فاتبعته. فإذا امرأة جالسة، عليها من الحلى والجواهر ما لم أر مثله، وهي أحسن من الحلى الذي عليها. فقال: يا شعبي، هذه ليلى التي يقول فيها الشاعر:
وما زلت في ليلى لدن طر شاربي ... إلى اليوم أخفي حبها وأداجن
وأحمل في ليلى لقوم ضغينةً ... وتحمل في ليلى علي الضغائن
هذه عائشة بنت طلحة. فقالت له: أما إذا جلوتني عليه فأحسن إليه. فقال: يا شعبي. رح العشية، فرحت. فقال: يا شعبي، ما ينبغي لمن جليت عليه عائشة بنت طلحة أن ينقص عن عشرة آلاف. فأمر لي بكسوة وقارورة غالية. فقيل للشعبي في ذلك اليوم: كيف الحال؟ قال: وكيف حال من صدر عن الأميرة ببدرة وكسوة، وقارورة غالية، ورؤية وجه عائشة بنت طلحة.
وكان عمرو بن حجر ملك كندة، وهو جد امرئ القيس، أراد أن يتزوج ابنة عوف من محلم الشيباني الذي يقال فيه: لا حر بوادي عوف؛ لإفراط عزه. وهي أم إياس، وكانت ذات جمال وكمال. فوجه إليها امرأة يقال لها عصام، - ذات عقل وبيان وأدب - لتنظر إليها، وتمتحن ما بلغه عنها. فدخلت على أمها أمامة بنت الحارث، فأعلمتها ما قدمت له. فأرسلت إلى ابنتها: أي بنية، هذه خالتك، أتت إليك لتنظر إلى بعض شأنك، فلا تستري عنها شيئاً أرادت النظر إليه من وجه وخلق، وناطقيها فيما استنطقتك فيه. فدخلت عصام عليها، فنظرت إلى ما لم تر عينها مثله قط، بهجةً وحسناً وجمالاً. فإذا هي أكمل الناس عقلاً، وأفصحهم لساناً. فخرجت من عندها وهي تقول: ترك الخداع من كشف القناع. فذهبت مثلا. ثم أقبلت إلى الحارث، فقال لها: ما وراءك يا عصام؟ فأرسلها مثلاً. قالت: صرح المخض عن الزبدة. فذهبت مثلاً. قال: أخبريني، قالت: أخبرك صدقاً وحقاً، رأيت جبهةً كالمرآة الصقيلة، يزينها شعر حالك كأذناب الخيل المضفورة، إن أرسلته خلته السلاسل، وإن مشطته قلت عناقيد كرم جلاه الوابل، ومع ذلك حاجبان كأنهما خطا بقلم، أو سودا بحمم، قد تقوسا على مثل عين العبهرة التي لم يرعها قانص ولم يذعرها قسورة، بينهما أنف كحد السيف المصقول، لم يخنس به قصر، ولم يمعن به طول، حفت به وجنتان كالأرجوان، في بياض محض كالجمان، شق فيه فم كالخاتم، لذيذ المبتسم، فيه ثنايا غر، ذوات أشر، وأسنان تعد كالدر، وريق تنم إليك منه ريح الخمر، أم نشر الروض بالسحر، يتقلب فيه لسان ذو فصاحة وبيان، يقلبه عقل وافر، وجواب حاضر، يلتقي دونه شفتان حمراوان كالورد، يحلبان ريقاً كالشهد، تحت ذاك عنق كإبريق الفضة، ركب في صدر تمثال دمية، يتصل به عضدان ممتلئان لحماًًمكتنزان شحماً، وذراعان ليس فيهما عظم يحس، ولا عرق يحبس، ركبت فيهما كفان رقيق قصبهما لين عصبهما، تعقد إن شئت منها الأنامل، وتركب الفصوص في حفر المفاصل، وقد تربع في صدرها حقان كأنهما رمانتان. من تحت ذلك بطن طوي كطي القباطي المدمجة، كسي عكنا كالقراطيس المدرجة. تحيط تلك العكن بسرة كمدهن العاج المجلو، خلف ظهر كالجدول ينتهي إلى خصر لولا رحمة الله لانخزل، تحته كفل يقعدها إذا نهضت، وينهضها إذا قعدت، كأنه دعص رمل، لبده سقوط الطل، يحمله فخذان لفاوان كأنهما نضيد الجمار، تحملهما ساقان خدلجتان كالبردى وشيا بشعر أسود، كأنه حلق الزرد، ويحمل ذلك قدمان كحد السنان تبارك الله في صغرهما كيف تطيقان حمل ما فوقهما، فأما سوى ذلك فتركت أن أصفه، غير أنه أحسن ما وصفه واصف بنظم أو نثر. قال: فأرسل إلى أبيها يخطبها. فكان من أمرهما ما تقدم ذكره في صدر هذا الكتاب.
صفة المرأة السوء