حدث أحمد بن عمر المكي قال حدثني أبي قال: سمعت إسحاق بن إبراهيم الموصلي يقول: كان بالمدينة رجل جعفري من ولد جعفر بن أبي طالب، وكان يحب الغناء، وكان بالمدينة قينة يقال لها بصبص، وكان الجعفري يتعشقها فقال يوماً لإخوانه: قوموا معي إلى هذه الجارية حتى نكاشفها فقد والله أيتمت ولدي وأرملت نسائي وأخرجت ضيعتي. فقاموا معه حتى إذا جاءوا إلى بابها دقه، فخرجت إليه فإذا هي أملح الناس دلا وشكلاً، فقال لها: يا جارية، أتغنين:
وكنت أحبكم فسلوت عنكم ... عليكم في دياركم السلام
فاستحيت وخجلت وبكت وقالت: يا جارية، هاتي عودي. والله ما أحسن هذا ولكن أحسن غيره، فغنت:
تحمل أهلها منها فبانوا ... على آثار من ذهب العفاء
قال: فاستحيا والله صاحبنا حتى تصبب عرقاً ثم قال لها: يا سيدتي أفتحسنين أن تغني:
وأخضع للعتبى إذا كنت ظالما ... وإن ظلموا كنت الذي أتفضل؟
قالت: والله ما أعرف هذا ولكن غيره، فغنت:
فإن تقبلوا بالود أقبل بمثله ... وأنزلكم منا بأكرم منزل
قال: فدفع الباب ودخل وأرسل غلامه يحمل إليه حوائجه. وقال: لعن الله الأهل والولد والضيعة.
خبر الذلفاء
قال أبو سويد: حدثني أبو زيد الأسدي قال: دخلت على سليمان بن عبد الملك بن مروان، وهو جالس على دكان مبلط بالرخام الأحمر، مفروش باليباج الأخضر، في وسط بستان ملتف قد أثمر وأينع، وإذا بإزاء كل شق من البستان ميدان بنبت الربيع قد أزهر. وعلى رأسه وصائف، كل واحدة منهن أحسن من صاحبتها. وقد غابت الشمس فنضرت الخضرة، وأضعفت في حسنها الزهرة، وغنت الأطيار فتجاوبت، وسفت الرياح على الأشجار فتمايلت، بأنهار فيه قد شققت، ومياه قد تدفقت. فقلت: السلام عليك يا أيها الأمير ورحمة الله وبركاته. وكان مطرقاً، فرفع رأسه وقال: أبا زيد، في مثل هذا الحين يصاب أحد حيا؟ قلت: أصلح الله الأمير، أو قد قامت القيامة بعد. قال: نعم، على أهل المحبة سراً والمراسلة بينهم خفية. ثم أطرق مليا، ثم رفع رأسه فقال: أبا زيد، ما يطيب في يومنا هذا؟ قلت: أعز الله الأمير، قهوة صفراء في زجاجة بيضاء، تناولها مقدودة هيفاء، مضمومة لفاء دعجاء. أشربها من كفها، وأمسح فمي بفمها. فأطرق سليمان ملياً لا يحير جواباً، تنحدر من عينه عبرات بلا شهيق. فلما رأى الوصائف ذلك تنحين عنه. ثم رفع رأسه فقال: أبا زيد، حللت في يوم فيه انقضاء أجلك، ومنتهى مدتك، وتصرم عمرك، والله لأضربن عنقك أو لتخبرني ما أثار هذه الصفة من قلبك. قلت: نعم أصلح الله الأمير، كنت جالساً عند باب أخيك سعيد بن عبد الملك، فإذا أنا بجارية قد خرجت إلى باب القصر كالغزال انفلت من شبكة الصياد، عليها قميصٌ سكبٌ يتبين منه بياض بدنها، وتدوير سرتها، ونقش تكتها، وفي رجليها نعلان صراران، قد أشرق بياض قدميها على حمرة نعليها، مضمومة بفرد ذؤابة تضرب إلى حقويها، وتسيل كالعثاكيل على منكبيها، وطرة قد أسبلت على متني جبينها، وصدغان قد زينا كأنهما نونان على وجنتيها، وحاجبان قد قوسا على محجري عينيها، وعينان مملوءتان سحراً، وأنف كأنه قصبة در، وفم كأنه جرح يقطر دما. وهي تقول: عباد الله، من لي بدواء ما لا يشتكى؟ وعلاج ما لا يسمى؟ طال الحجاب، وأبطأ الجواب، فالفؤاد؟ طائر، والقلب عازب، والنفس والهة، والفؤاد مختلس، والنوم محتبس، رحمة الله على قوم عاشوا تجلداً، وماتوا تبلداً، ولو كان إلى الصبر حيلة، وإلى العزاء سبيل، لكان أمرا جميلاً، ثم أطرقت طويلاً، ثم رفعت رأسها. فقلت: أيتها الجارية، إنسية أنت أم جنية؟ سمائية أم أرضية؟ فقد أعجبني ذكاء عقلك، وأذهلني حسن منطقك. فسترت وجهها بكمها كأنها لم ترني، ثم قالت: اعذر أيتها المتكلم الأريب، فما أوحش الساعة بلا مساعد، والمقاساة لصبٍ معاند، ثم انصرفت. فوالله، أصلح الله الأمير، ما أكلت طيباً إلا غصصت به لذكراها، ولا رأيت حسناً إلا سمج في عيني لحسنها. قال سليمان: أبا زيد، كاد الجهل أن يستفزني، والصبا أن يعاودني، والحلم أن يعزب عني؛ لحسن ما رأيت وشجو ما سمعت، تلك هي الذلفاء التي يقول فيها الشاعر:
إنما الذلفاء ياقوتة ... أخرجت من كيس دهقان