اسقني بالكبير إني كبير ... إنما يشرب الصغير صغير
ثم قال:
اسقني قهوة بكوب كبير ... ودع الماء كله للحمير
ثم شرب به، وأمر به فملئ، وقال لنا: إن الخيل لا تشرب إلا بالصفير. ثم أمر بجوارٍ، فأحطن بالدار. فما شبهت أصواتهن إلا بأصوات طير من أجمة يتجاوبن.
وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: لما أفضت الخلافة إلى المأمون أقام عشرين شهراً لم يسمع حرفاً من الغناء، ثم كان أول من تغنى بحضرته أبو عيسى. ثم واظب على السماع وسأل عني، فجرحني عنده بعض من حسدني، فقال: ذلك رجل يتيه على الخلافة. فقال المأمون: ما أبقى هذا من التيه شيئاً، وأمسك عن ذكري. وجفاني كل من كان يصلني، لما ظهر من سوء رأيه. فأضر ذلك بي، حتى جاءني يوماً علوية فقال لي: أتأذن لي اليوم في ذكرك؟ فإني اليوم عنده. فقلت: لا، ولكن غنه بهذا الشعر، فإنه سيبعثه على أن يسألك: من أين هذا؟ فينفتح لك ما تريد، ويكون الجواب أسهل عليك من الابتداء. فمضى علوية. فلما استقر به المجلس غناه الشعر الذي أمرته به، وهو:
يا مشرع الماء قد سدت مسالكه ... أما إليك سبيلٌ غير مسدود
لحائمٍ حار حتى لا حياة به ... مشرد عن طريق الماء مطرود
فلما سمعه المأمون قال: ويلك! لمن هذا؟ قال: يا سيدي، لعبد من عبيدك جفوته واطرحته؟ قال: إسحاق؟ قلت: نعم. قال: ليحضر الساعة. قال إسحاق: فجاءني الرسول، فسرت إليه. فلما دخلت، قال: ادن، فدنوت. فرفع يديه مادهما، فاتكأت عليه، فاحتضنني بيديه، وأظهر من إكرامي وبري ما لو أظهره صديقٌ لي مواس لسرني.
قال: وحدثني يوسف بن عمر المدني قال: حدثني الحارث بن عبيد الله قال: سمعت إسحاق الموصلي يقول: حضرت مسامرة الرشيد ليلةً عبثراً المغنى، وكان فصيحاً متأدباً، وكان مع ذلك يغني الشعر بصوت حسن. فتذاكروا رقة شعر المدنيين، فأنشد بعض جلسائه أبياتاً لابن الدمينة حيث يقول:
وأذكر أيام الحمى ثم أنثني ... على كبدي من خشيةٍ أن تصدعا
وليست عشيات الحمى برواجع ... عليك ولكن خل عينيك تدمعا
بكت عيني اليمنى فلما زجرتها ... عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معا
فأعجب الرشيد برقة الأبيات. فقال له عبثر: يا أمير المؤمنين، إن هذا الشعر مدني رقيق، قد غذي بماء العقيق، حتى رق وصفا، فصار أصفى من الهوا؛ ولكن إن شاء أمير المؤمنين أنشدته ما هو أرق من هذا وأحلى، وأصلب وأقوى، لرجل من أهل البادية. قال: فإني أشاء. قال: وأترنم به يا أمير المؤمنين؟ قال: وذلك لك. فغنى لجرير:
إن الذين غدوا بلبك غادروا ... وشلا بعينك لا يزال معينا
غيضن من عبراتهم وقلن لي ... ماذا لقيت من الهوى ولقينا
روحوا العشية روحة ًمذكورة ... إن حرن حرنا أو هدينا هدينا
فرموا بهن سواهماً عرض الفلا ... إن متن متنا أو حيين حيينا
قال: صدقت يا عبثر، وخلع عليه وأجازه.
وكان لإبراهيم الموصلي عبدٌ أسود يقال له زرياب، وكان مطبوعا على الغناء، علمه إبراهيم، فدخل على زيادة الله بن إبراهيم بن الأغلب، فغناه بأبيات عنترة الفوارس، حيث يقول:
فإن تك أمي غرابيةً ... من أبناء حامٍ بها عبتني
فإني لطيفٌ ببيض الظبا ... وسمر العوالي إذا جئتني
ولولا فرارك يوم الوغى ... لقدتك في الحرب أو قدتني
فغضب زيادة الله، فأمر بصفع قفاه وإخراجه، وقال له: إن وجدتك في شيء من بلدي بعد ثلاثة أيام ضربت عنقك. فجاز البحر إلى الأندلس، فكان عند الأمير عبد الرحمن بن الحكم.
وكان في المدينة في الصدر الأول مغن يقال له: قند، وهو مولى سعد بن أبي وقاص. وكانت أم المؤمنين رضي الله عنها تستظرفه، فضربه سعد، فحلفت عائشة لا تكلمه حتى يرضى عنه قند فدخل عليه سعد وهو وجع من ضربه، فاسترضاه، فرضي عنه، وكلمته عائشة.
وكان معاوية يعقب بين مروان بن الحكم وسعيد بن العاص على المدينة يستعمل هذا سنةً وهذا سنة، وكانت في مروان شدة وغلظة، وفي سعد لين عريكة وحلم وصفح. فلقي مروان بن الحكم قنداً المغنى، وهو معزول عن المدينة وبيده عكازة، فلما رآه قال: