FluentPlex

The Unique Necklace

اختلاف الناس في الغناء

Original text Public domain

Read with the dictionary

وسمع أنس بن مالك أخاه البراء بن مالك يغني، فقال: ما هذا؟ قال: أبيات عربية أنصبها نصبا.

ومن حديث الحماني عن حماد بن زيد بن يسار قال: رأيت سعد بن أبي وقاص في منزل بين مكة والمدينة قد ألقى له مصلي، فاستلقى عليه ووضع إحدى رجليه على الأخرى وهو يتغنى. فقلت: سبحان الله أبا إسحاق، أتفعل مثل هذا وأنت محرم؟ فقال: يا بن أخي، وهل تسمعني أقول هجرا؟ ومن حديث المفضل عن قرة بن خالد بن عبد الله بن يحيى، قال: قال عمر بن الخطاب للنابغة الجعدي: أسمعني بعض ما عفا الله لك عنه من هناتك. فأسمعه كلمة له. قال: وإنك لقائلها؟ قال: نعم. قال: لطالما غنيت بها خلف جمال الخطاب.

عاصم عن ابن جريج قال: سألت عطاء عن قراءة القرآن على ألحان الغناء والحداء. قال: وما بأس ذلك يا ابن أخي؟ قال: وحدث عبيد بن عمير الليثي أن داود النبي عليه السلام كانت له معزفة يضرب بها إذا قرأ الزبور، لتجتمع عليه الجن والإنس والطير، فيبكي ويبكي من حوله. وأهل الكتاب يجدون هذا في كتبهم.

ومن حجة من كره الغناء أن قال: إنه ينفر القلوب، ويستفز العقول، ويستخف الحليم، ويبعث على اللهو، ويحض على الطرب، وهو باطل في أصله. وتأولوا في ذلك قول الله عز وجل: " ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا " . وأخطأوا في التأويل. إنما نزلت هذه الآية في قوم كانوا يشترون الكتب من أخبار السمر والأحاديث القديمة ويضاهون بها القرآن، ويقولون إنها أفضل منه. وليس من سمع الغناء يتخذ آيات الله هزوا. وأعدل الوجوه في هذا أن يكون سبيله سبيل الشعر، فحسنه حسن وقبيحه قبيح.

وقد حدث إبراهيم بن المنذر الحزامي أن ابن جامع السهمي قدم مكة بمال كثير، ففرقه في ضعفاء أهلها، فقال سفيان بن عيينة: بلغني أن هذا السهمي قدم بمال كثير. قالوا: نعم. قال: فعلام يعطى؟ قالوا: يغني الملوك فيعطونه. قال: وبأي شيء يغنيهم؟ قالوا: بالشعر. قال: فكيف يقول؟ فقال له فتى من تلاميذه: يقول:

أطوف بالبيت مع من يطوف ... وأرفع من مئزري المسبل

قال: بارك الله عليه، ما أحسن ما قال! قال: ثم ماذا؟ قال:

وأسجد بالليل حتى الصباح ... وأتلو من المحكم المنزل

قال: وأحسن أيضاً، أحسن الله إليه؛ ثم ماذا؟ قال:

عسى فارج الهم عن يوسف ... يسخر لي ربة المحمل

قال: أمسك أمسك. أفسد آخراً ما أصلح أولاً.

ألا ترى سفيان بن عيينة رحمه الله حسن الحسن من قوله وقبح القبيح.

وكره الغناء قوم على طريق الزهد في الدنيا ولذاتها، كما كره بعضهم الملاذ ولبس العباء، وكره الحوارى وأكل الكشكار، وترك البر وأكل الشعير، لا على طريق التحريم، فإن ذلك وجه حسن ومذهب جميل. فإنما الحلال ما أحل الله والحرام ما حرم الله. يقول الله تعالى: " ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب. إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون " .

وقد يكون الرجل أيضاً جاهلا بالغناء أو متجاهلاً به، فلا يأمر به ولا ينكره. قال رجل للحسن البصري: ما تقول في الغناء يا أبا سعيد؟ قال: نعم العون على طاعة الله! يصل الرجل به رحمه، ويواسي به صديقه. قال الرجل: ليس عن هذا أسألك. قال: وعم سألتني؟ قال: أن يغني الرجل. قال: وكيف يغني؟ فجعل الرجل يلوي شدقيه وينفخ منخريه. قال الحسن: والله يا بن أخي، ما ظننت أن عاقلا يفعل هذا بنفسه أبداً.

وإنما أنكر عليه الحسن تشويه وتعويج فمه، وإن كان أنكر الغناء فإنما هو من طريق أهل العراق، وقد ذكرنا أنهم يكرهونه.

قال إسحاق بن عمارة: حدثني أبو المغلس عن أبي الحارث، قال: اختلف في الغناء عند محمد بن إبراهيم والي مكة، فأرسل إلى ابن جريج وإلى عمرو ابن عبيد فأتياه فسألهما، فقال ابن جريج: لا بأس به، شهدت عطاء بن أبي رباح في ختان ولده، وعنده ابن سريج المغني، فكان إذا غنى لم يقل له: اسكت، وإذا سكت لم يقل له: غن، وإذا لحن رد عليه. وقال عمرو بن عبيد: أليس الله يقول: " ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد " . فأيهما يكتب الغناء؟ الذي عن اليمين أو الذي عن الشمال؟ فقال ابن جريج: لا يكتبه واحد منهما، لأنه لغو كحديث الناس فيما بينهم، من أخبار جاهليتهم وتناشد أشعارهم.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account