لم يبقَ من جُثمانه ... إلا حُشاشةُ مُبْتئِسْ
قد رَقّ حتى ما يُرى ... بلِ ذاب حتى ما يُحسّ
وقال الحسنُ بن هانئ في هذا المعنى فأَرْبى على الأولين والآخرين:
يا من تَموَت عَمْداً ... فكان للعين أَمْلَى
وفي الشعوثة أرْبى ... فكان أشْهَى وأحلى
أردت أن تَزديك الْ ... عيُونُ هَيهاتَ كَلا
يا عاقد القَلْب منّيِ ... هلا تذكّرتَ حَلا
تركتَ منّي قليلاً ... مِن القليل أقلا
يَكاد لا يَتجزّا ... أقلّ في اللَّفْظ مِن لا
ولأبي العتاهية:
تلاعبتِ بي يا عُتْبَ ثم حَمَلْتِني ... على مَرْكَب بي المَنيّة والسُّقْم
ألا في سبيل الله جِسْمي وقوتي ... ألا مُسْعد حتى أنوح على جِسمي
وله:
ولم تبقِ منّي إلا القليلَ وما ... أحسبها تترك الذي بَقِيا
قولهم في التوديع
قال لسَعيد بن حُميد الكاتب، وكان على الخراج بالرقّة: ودّعت جاريةً لي تُسمّى شفيع، وأنا أضحك وهي تبكي، وأقول لها: إنما هي أيام قلائل. قال: إن كنت تقدر أن تُخلف مثل شفيع فنَعَمْ. فلما طال بي السفَرُ واتصلت بي الأيام كتبتُ إليها كتاباً وفي أسفله:
ودعتها والدمعُ يقطُر بَيننا ... وكذاك كُل مُلذَّع بفِراقِ
شُغلتْ بتَغييض الدّموع شِمالُها ... ويَمينها مشغولة بعناقِي
قال: فكتبتْ إليّ في طومار كبير ليس فيه إلا بسم الله الرحمن الرحيم وفي آخره: يا كذاب - وسائر الكتاب أبيض. قال: فوجّهتُ الكتب إلى ذي الرياستين الفضل بن سَهل، وكتبْت إليها كتاباً على نحو ما كتبتْ، ليس فيه إلا بسم الله الرحمن الرحيم، وفي آخره أقول:
فودعتها يوم التّفرق ضاحكاً ... إليها ولم أعلم بأنْ لا تلاقيَا
فلو كنتُ أدري أنه آخر اللقا ... بكيتُ وأبكيتُ الحبيبَ المُصافيا
قال: فكتبتْ إليّ كتاباً آخر ليس فيه إلا بسم الله الرحمن الرحيم في أوله، وفي آخره: أعيذك بالله أن يكون ذلك. فوجهته إلى ذي الرياستين الفضل بن سهل، فأشخصني إلى بغداد وصيّرني إلى ديوان الضياع.
محمد بن يزيد الرَّبعيّ عن الزّبير عن عبيد الله بن يحيى بن خاقان، وزير المتوكل قال: إنه لما نفاه المتوكل إلى جزيرة أقريطش، فطال مُقامه بها، تمتّع بجارية رائعة الجمال، بارعة الكمال، فأَنسته ما كان فيه من رَونق الخلافة وتَدبيرها. وكان قبل ذلك مُتيَّماً بجارية خلّفها بالعراق، فسلا عنها. فبينما هو مع الأقريطشيّة في سرور وحُبور يَحلف لها أنه لا يُفارق البلدَ ما عاش، إذ قَدِم عليه كتابُ جاريته من العِراق، وفيه مكتوب:
كيف بَعدي لا ذُقْتمُ النومَ أنتمْ ... خَبِّروني مذ بِنْتُ عنكم وبِنْتُم
بمراض الجُفون من خُردِ الع ... ين ووَرْدِ الخُدود بعدي فُتِنتم
يَا أخلايِ إنّ قلبي وإن با ... ن من الشَّوق عندكم حيثُ كُنتم
فإذا ما أبَى الإله اجتماعاً ... فالمَنايا عليّ وَحْدي وعِشْتم
أخذَتْ هذا المعنى من قول حاتم:
إذا ما أتى يومٌ يُفرَق بيننا ... بمَوت فكُن أنتَ الذي تتأخَّرُ
فلم يباشر لذةً بعد كتابها، حتى رضي عنه المُتوكل وصَرفه إلى أحسن حالاته. الزُّبيريّ قال: حدّثني ابنُ رجاء الكاتب قالت: أخذ مني الخليفة المُعتز جاريةً كنتُ أحبها وتُحبّني، فشربا معاً في بعض اللَيالي، فسكر قبلَها وبقيتْ وحدها ولم تَبرح من المجلس هيبةً له، فذكرتْ ما كنّا فيه من أيامنا، فأخذت العُود فغنّت عليها صوتاً حزيناً من قلب قريح، وهي تقول:
لا كان يومُ الفِراق يوماً ... لم يُبقِ للمُقْلَتَيْن نَوْمَا
شَتّتَ مني ومنك شَملاً ... فسَر قوماً وساء قَوما
يا قوم مَن لي بوَجْد قَلب ... يسُومني في العذاب سَوْما
ما لامني الناسُ فيه إلا بكيتُ ... كيما أزاد لَوْما