يومَ لا يُقدر لا أرهبه ... ومِن المقدور لا يَنْجو الحَذِر
وكان إذا سار بأرض الكوفة يرتجز ويقول:
يا حبذا السير بأرض الكُوفه ... أرضٍ سواءٍ سَهْلة مَعروفه
تعرفها جِمالنا المَعْلوفه وكان عبد الله بن عباس في طريقه من البصرة إلى مكة يحدو الإبل ويقول:
أُولى إلى أهلك يا ربَابُ ... أُولى فقد هان لك الإيابُ
وقال ابن عباس لما كفّ بصره
إن يأخذ الله من عينيّ نُورَهما ... ففي لساني وقَلبي منهما نُورُ
قلبي ذكيّ وعَقلي غير ذي دَخل ... وفي فَمي صَارمٌ كالسيف مَأثور
قولهم في الغزل
قال رجل لمحمد بن سيرين: ما تقول في الغَزل الرقيق يُنشده الإنسان في المسجد، فسَكت عنه حتى أُقيمت الصلاة وتقدَم إلى المحراب فالتفت إليه، فقال:
وتبرد بَرد رداء العرو ... س في الصَّيف رَقرقتَ فيه العَبيرا
وَتسخن ليلةَ لا يَسْتطيع ... نُباحاً بها الكلبُ إلا هَريرا
ثم قال: الله أكبر.
وقال العجاّج. دخلتُ المدينة فقصدتُ إلى مسجد النبيّ صلى الله عليه وسلم فإذا بأبي هُريرة قد أكب الناس عليه يسألونه، فقلت: أفرجوا لي عن وجهه. فأفرج لي عنه. فقلت له: إني إنما أقول:
طاف الخَيالان فهاجَا سَقَما ... خيالُ أروى وخيِال تَكْتُما
تُريك وجهاً ضاحكاً ومِعْصما ... وساعداً عَبْلاً وكَعْباً أَدْرما
فما تقوله فيه؟ قال: قد كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُنشَد مثلَ هذا في المسجد فلا ينكره.
ودخل كعب بن زهير على النبي صلى الله عليه وسلم قبل صلاة الصبح فمثل بيت يديه، وأنشد:
بانت سعاد فقَلبي اليوم مَتْبولُ ... مُتَيم إثْرها لم يُفْد مَكْبُولُ
وما سُعاد غدَاة البَين إذ رَحلوا ... إلا أغنُّ غَضيض الطرف مَكحول
هَيفاء مَقْبلة عَجْزاء مدْبرة ... لا يشتكي قِصَر منها ولا طُول
ما إن تَدوم على حال تكون بها ... كما تلوّن في أثوابها الغُول
ولا تَمسّك بالوعد الذي وَعدت ... إلا كما يُمسك الماءَ الغَرابيل
كانت مواعيد عُرقوب لها مثلاً ... وما مواعيدُها إلا الأباطيل
ولا يَغُرًنك ما منت وما وَعدت ... إنّ الأمانيّ والأحلام تَضْليل
ثم خرج من هذا إلى مَدح النبيّ صلى الله عليه وسلم. فكساه بُرداً، اشتراه منه معاويةُ بعشرين ألفاً. ومن قول عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة بن مسعود في الغزل:
كتمتَ الهوى حتى أضرّ بك الكَتْم ... ولامَك أقوامٌ ولومُهمُ ظُلم
ونَم عليك الكاشِحون وقبل ذا ... عليك الهَوى قد تَمّ لو نَفع النّم
فيامَن لِنفس لا تَموت فَيْنقضي ... عَناها ولا تَحْيا حَياةً لها طَعم
تجنّبت إتيان الحَبيب تأثّما ... ألا إن هِجران الحبيب هو الإثْم
ومن شعر عُروة بن أذينة، وهو من فقهاء المدينة وعُبّادها، وكان من أرقّ الناس تشبيبا:
قالت وأَنبثتها وَجْدي وبُحت به ... قد كُنتَ عندي تحب السِّتر فاستَتِر
ألست تُبصر من حولي فقلتُ لها ... غطَّى هواك وما ألقَى على بَصري
ووقفتْ عليه امرأة، فقالت له: أنت الذي يقال فيك الرجل الصالح وأنت تقوله:
إذا وجدتُ أُوار الحُبّ في كَبِدي ... غدوتُ نحو سِقاء الماء أَبتَرِدُ
هبني بردتُ ببرَد الماء ظاهرَه ... فَمن لنار على الأحشاء تَتّقد
والله ما قال هذا رجل صالح. وكذبتْ عدوةُ الله عليها لعنة اللّه، بل لم يكن مُرائيا ولكنه كان مَصْدورا فنَفث.
وقدم عُروة بن أذينة على هشام بن عبد الملك في رجال من أهل المدينة، فلما دخلوا عليه ذكروا حوائجِهم فقضاها، ثم التفت إلى عُروة فقال له: ألست القائل:
لقد علمتُ وخيرُ القول أصدَقهُ ... بأنّ رزْقي وإن لم آتِ يَأْتيني
أسعى له فيُعنِّيني تَطَلُّبه ... ولو قعدت أتاني لا يُعَنّيني