- وسنكتب هذه القصيدة على وَجهها - . وحَمى عبدُ يغوث أصحابه فلم يُوصل إلى الجانب الذي هو فيه، فألظٌ به مَصاد بن ربيعة بن الحارث. فلما لحقَه مَصاد طعنه فألقاه عن الفرس فأسره. وكان مَصاد قد أصابته طعنة في مَأْبِضه، وكان عِرْقُه يَهمي - أي يَسيل - فَعصبه، وكَتفه - يعني عبدَ يغوث - ثم أردفه خلفه فنزفه الدمُ، فمال عن فرسه مَقْلوباً. فلما رأى ذلك عبدُ يغوث قطع كِتافَه وأجهز عليه وانطلق على فرسه، وذلك أولَ النهار. ثم ظُفِر به بعد في آخره، ونادى مُنادٍ: قُتِل اليزيديّون. وشَدٌ قَبيصة بن ضرار الضَبي على ضمرة بن لَبيد الحِماسيّ الكاهن، فطَعنه فخر صريعاً. فقال له قَبيصةُ: ألا أخبرك تابعُك بمَصرعك اليوم؟ وأسر عبد يغوث، أسره عِصمة ابن أُبير التَّيمي.
قال أبو عُبيدة: انتهى عِصْمة بن أُبير إلى مَصَاد، وقد أمعنوا في الطلب، فوَجده صريعاً، وقد كان قبل ذلك رأى عبد يَغوث أسيراً في يديه فعرف أنه هو الذي أجهز عليه، فاقتصّ أثرَه، فلما لحقه قال له: ويحك! إنّي رجل أُحب الِّلبن وأنا خيرٌ لك من الفَلاة والعَطش. قال عبد يغوث: ومن أنت؟ قال: عصمة بن أُبير. قال عبد يغوث: أوَ عندك مَنَعة؟ قال: نعم. فألقى يدَه لا يده. فانطلق به عِصْمة حتى خَبأه عند الأهتم على أن جَعل له من فدائه جُعلا. فوَضعه الأهتم عند امرأته العَبْشمية. فأعجبها جمالُه وكمانُا خَلْقه. وكان عِصْمة الذي أسره غلاماً نحيفاً. فقالت لعبد يغوث: مَن أنت؟ قال: أنا سيد القوم. فضحكت وقالت: قَبَّحك الله سيّد قوم حينَ أسرك مثلُ هذا! ولذلك يقول عبد يغوث:
وتَضْحك مني شيخةٌ عَبْشميّة ... كأنْ لم تَريْ قَبْلي أسيراً يَمانيَا
فاجتمعت الرباب إلى الأهتم، فقالت: ثأرُنا عندك، وقد قُتل مَصاد والنُعمان، فأخرجه إلينا. فأبى الأهتم أن يُخرجه إليهم، فكاد أن يكون بين الحيين؟ الرباب وسعد، فِتْنة. حتِى أقبل قيسُ بن عاصم المِنْقري، فقال: أيؤتى قطع حِلف الرباب - مِن قِبَلنا؟ وضرب فمَه بقَوس فهَتمه، فَسُمَي الأهتم. فقال الأهتم: إنما دَفعه إليّ عِصْمة بن أبير ولا أدفعه إلاّ إلى مَن دَفعه إليّ، فليجئ فليأخذه، فأتوْا عِصْمة فقالوا: يا عصمة، قُتل سيدنا النعمان وفارسنا مَصاد، وثأرنا أسيرُك وفي يدك، فما ينبغي لك أن تَسْتحييه. فقال: إني مُمْحل وقد أصبت الغِنى في نفسي، ولا تَطيب نفسي عن أسيري. فاشتراه بنو الحَسْحاس بمائة بعير - وقال رُؤبة بن العجَّاج: بل أرضوه بثلاثين من حواشي النَّعم - فدفعه إليهم، فخَشُوا أن يهجوهم، فشدُّوا على لسانه نِسْعة. فقال: إنكم قاتلي ولابد، فَدعُوني أذُم أصحابي وأنوح على نفسي. فقالوا: إنك شاعر ونخاف أن تَهجوَنا. فعقد لهم ألا يفعل. فأطلقوا لسانَه وأمهلوه حتى قال قصيدته التي أولها:
أَلاَ لا تلوماني كَفى اللَّوم ما بِيا ... فما لكما في اللّوْم خيرٌ ولا ليَا
ألم تَعْلما أنّ الملامةَ نَفعها ... قليل وما لوْمِي أخِي مِن شِمَاليا
فيا راكباً إمَّا عَرضْتَ فبلَغنْ ... نَدامايَ من نَجْران أن لا تَلاقيا
أبا كَرب والأيْهمين كليهما ... وقيس بأعلى حَضرموتِ اليمانيا
جَزى الله قومي بالكُلاب مَلامة ... صَريحَهم والآخِرين المَواليا
ولو شئتُ بَحَّتنى من القوم نَهدة ... ترى خلفها الجُرد الجياد تَواليا
ولكنًني أحمِي ذِمارَ أبيكمِ ... وكاد الرِّماح يَخْتطفْن المُحاميا
أحقَّاً عبادَ الله أنْ لستُ سَامِعاً ... نَشيدَ الرِّعاء المُعزِبين المَتاليا
أقولُ وقد شَدُّوا لساني بنِسْعة ... أمَعشَر تَيْم أَطْلِقوا عَن لِسانيا
وتَضْحك منِّي شيخةٌ عبشمية ... كَأَنْ لم تَرَيْ قَبْلي أسيراً يمانياً
أمعشَر تَيْم قد مَلكتم فأَسْجِحوا ... فإنَّ أخاكم لم يكن من بَوائيا
وقد عَلمتْ عِرْسي مُليكةُ أنَّني ... أنا الليثُ مَعْدوَاً عليه وعاديا
وقد كنتُ نحّارَ الجَزور ومُعْمل اْلمط ... ي وأمضي حيث لا حي ماضيا