ما ضر عندك حاجتي ما ضرها ... عذراً إذا أعطيت نفسك قدرها
انظر إلى عرض البلاد وطولها ... أولست أكرم أهلها وأبرها
حاشى لجودك أن يوعر حاجتي ... ثقتي سهلت لي وعرها
لا يجتني حلو المحامد ماجد ... حتى يذوق من المطالب مرها
فقضى الحاجة وسارع إليها.
وأبطأ عبد الله بن يحيى عن الديوان، فأرسل إليه المتوكل يتعرف خبره، فكتب إليه:
عليل من مكانين ... من الإفلاس والدين
ففي هذين لي شغل ... وحسبي شغل هذين
فبعث إليه بألف دينار.
عبد الله بن منصور قال: كنت يوماً في مجلس الفضل بن يحيى. فأتاه الحاجب فقال: إن بالباب رجلاً قد أكثر في طلب الإذن وزعم أن له يداً يمت بها. فقال: أدخله. فدخل رجل جميل الوجه رث الهيئة. فسلم فأحسن. فأومأ إليه بالجلوس، فجلس. فلما علم أنه قد انطلق وأمكنه الكلام قال له: ما حاجتك؟ قال له: قد أعربت بها رثاثة هيئتي وضعف طاقتي. قال: أجل، فما الذي تمت به؟ قال: ولادة تقرب من ولادتك، وجوار يدنو من جوارك، واسم مشتق من اسمك. قال: أما الجوار فقد يمكن أن يكون كما قلت، وقد يوافق الاسم الاسم، ولكن ما علمك بالولادة؟ قال: أعلمتني أمي أنها لما وضعتني، قيل: إنه ولد الليلة ليحيى بن خالد غلام وسمي الفضل، فسمتني فضيلاً، إعظاماً لاسمك أن تلحقني به. فتبسم الفضل وقال: كم أتى عليك من السنين؟ قال: خمس وثلاثون سنة. قال: صدقت، هذا المقدار الذي أتيت عليه، فما فعلت أمك؟ قال: توفيت رحمها الله. قال: فما منعك من اللحوق بنا فيما مضى؟ قال: لم ارض نفسي للقائك لأنها كانت في عامية وحداثة تقعدني عن لقاء الملوك. قال: يا غلام، أعطه لكل عام مضى من سنيه ألفاً، وأعطه من كسوتنا ومراكبنا ما يصلح له. فلم يخرج من الدار إلا وقد طاف به إخوانه وخاصة أهله.
وكتب حبيب بن أوس الطائي إلى أحمد بن أبي داود:
اعلم وأنت المرء غير معلموافهم جعلت فداك غير مفهم
أن اصطناع العرف ما لم توله ... مستكملاً كالثوب ما لم يعلم
والشكر ما لم يستثر بصنيعةكالخط تقرؤه وليس بمعجم
وتفنني في القول إكثار وقد ... أسرجت في كرم الفعال فألجم.
وقال دعبل بن علي الخزاعي في طاهر بن الحسين صاحب خراسان:
أيا ذا اليمينين والدعوتين ... ومن عنده العرف والنائل
أترضى لمثلى أنى مقيم ... ببابك مطرح خامل
رضيت من الود والعائدات ... ومن كل ما أمل الآمل
بتسليمة بين خمس وست ... إذا ضمك المجلس الحافل
وما كنت أرضى بذا من هسواك ... أيرضى بذا رجل عاقل
وإن ناب شغل ففي دون ما ... تدبره شغل شاغل
عليك السلام فإني امرؤ ... إذا ضاق بي بلد راحل
الأصمعي قال: ونظر زياد إلى رجل من ضبة يأكل أكلاً قبيحاً، وهو أقبح الناس وجهاً، فقال: يا أخا ضبة، كم عيالك؟ قال: سبع بنات أنا أجمل منهن وجهاً، وهن آكل مني: فضحك زياد وقال: لله درك! ما ألطف سؤالك! افرضوا له و لكل واحدة منهن مائة وخادماً، وعجلوا له و لهن أرزاقهم. فخرج الصبي وهو يقول:
إذا كنت مرتاد السماحة والندى ... فناد زياداً أو أخاً لزياد
يجبك امرؤ يعطى على الحمد ما له ... إذا ضن بالمعروف كل جواد
ومالي لا أثنى عليك وإنما ... طريفي من معروفكم وتلادي
ووقف دعبل ببعض أمراء الرقة، فلما مثل بين يديه قال: أصلح الله الأمير، إني لا أقول كما قال صاحب معن:
بأي الخلتين عليك أثني ... فإني عند منصرفي مسول
أبالحسنى وليس لها ضياء ... علي فمن يصدق ما أقول
أم الأخرى ولست لها بأهل ... وأنت لكل مكرمة فعول
ولكنني أقول:
ماذا أقول إذا أتيت معاشري ... صفراً يداي من الجواد المجزل
إن قلت أعطاني كذبت وإن أقل ... ضن الأمير بماله لم يجمل
ولأنت أعلم بالمكارم والعلا ... من أن أقول فعلت ما لم تفعل