FluentPlex

The Unique Necklace

أخبار البرامكة

Original text Public domain

Read with the dictionary

قال هارون: رضيتُ. قالت: فهَبْه لي يا أمير المؤمنين، فقد قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم. من ترك شيئاً للّه لم يُوجده الله فَقْدَه. فأكبّ هارون ملياً، ثم رَفع رأسه يقول: للّه الأمرُ من قبلُ ومن بعدُ. قالت: يا أمير المؤمنين، " ويومئِذ يَفْرح المُؤمنون بنصر الله يَنْصُرِ مَن يَشاء وهو العَزيزُ الرَّحيم " . وأذكُر يا أمير المؤمنين، أليّتك: ما استشفعتُ إلا شفَعتني. قال: واذكري يا أم الرشيد أليَّتَك أن لا شَفعت لمُقترف ذنباً. قال سهل بن هارون: فلما رأتْه صَرَّح بمَنعها ولاذ عن مَطلبها أخرجت حُقًّا من زَبَرْجدة خَضراء فوضعتْه بين يديه فقال الرشيد: ما هذا؟ ففَتحت عنه قفلاً من ذهب فأخرجت منه قَميصه وذؤابته وثَناياه، قد غَمست جميع ذلك في المسك، فقالت: يا أمير المؤمنين، أستشفع إليك وأَستعين بالله عليك وبما صار معي من كريم جَسدك وطَيَّب جوارحك ليحيى عبدِك. فأخذ هارون ذلك فلَثمه، ثم أستعبرَ وبكى بُكاء شديداً وبكى أهْل المجلس. ومرّ البشيرُ إلى يحيى وهو لا يَظن إلا أ نّ البكاء رحمةَ له ورجوعٌ عنه، فلما أفاقَ رَمى جميع ذلك في الحق. وقال لها: لحسناً ما حفظتِ الوديعة. فقالت: وأهل للمكافأة أنتَ يا أمير المؤمنين. فسكتَ وقَفل الحق ودَفعه إليها وقال: " إ نّ الله يأمركم أن تْؤدّوا الأماناتِ إلى أهلها " . قالت: والله يقول: " وإذا حَكمتم بين الناس أن تَحْكُموا بالعَدْل " . ويقول: " وأَوفُوا بعَهد الله إذا عاهدتُم " . قال: وما ذلك يا أم الرشيد؟ قالت: ما أقسمتَ لي به أن لا تَحجبني ولا تَجبهني. قال: أ حب يا أم الرشيد أن تشتريه محكّمة فيه. قالت: أنصفتَ يا أمير المؤمنين. وقد فعلتُ غيرَ مُستقيلة لك ولا راجعة عنك. قال: بكم؟ قالت: برضاك عمَّن لم يُسخطك. قال: يا أم الرشيد، أما لي عليك من الحق مثلُ الذي لهم؟ قالت: بلى يا أمير المؤمنين، أعزُّ عليّ وهم أحبُّ إليّ. قال: فتحكّمي في ثمنه بغيرهم؟ قالت: بلى، قد وَهبتكه، وجعلتُك في حِلّ منه، وقامت عنه. وبَقي مبهوتاً ما يُحير لفظة. قال سهل: وخرجتْ فلم تَعُد، ولا والله ما رأيتُ ها عَبرة ولا سمعتُ لها أنه.

قال سهل: وكان الأمين محمدُ بن زبيدة رضيعَ يحيى بن جعفر، فمتَّ إليه يحيى بنُ خالد بذلك، فوعد استيهاب أمه إياهم وتكلّمها لهم، ثم شَغله اللهوُ عنهم. فكتب إليه يحيى، ويقال إنها لسليمان الأعمى أخي مُسلم بن الوليد، وكان مُنقطعاً إلى البرامكة، يقول:

يا مَلاذي وعِصْمتي وَعِمَادي ... ومُجيري من الخُطوب الشدادِ

بكَ قام الرجاءُ في كلَّ قلب ... زاه فيه البلاءُ كل مَزاد

إنما أنت نِعمة أعْقبتها ... نِعَم نفعُها لكلِّ العِباد

وَعْدَ مولاك أتممنه فأبهى ال ... در ما زين حسنه بانعقاد

ما أظلت سحائب اليأس إلا ... كان في كَشْفها عليك اعتمادي

إن تراختْ يداك عنّي فُوَاقاً ... أكَلَتني الأيامُ أكلَ الجَراد

وبعث بها إلى الأمين محمد، فبعث بها الأمينُ إلى أمه زُبيدة، فأعطتها هارون وهو في موضع لَذَته، وعندَ إقبال أريحيته، وتهيأت للاستشفاع لهم، وعبّأت جواريها ومُغنياتها وأمرتهنَ بالقيام معها إذا قامت. فلما فَرغ الرشيدُ من قراءتها لم يَنقض حَبوته حتى وقَّع في أسفلها: عِظَم ذَنبك أمات خواطرَ العفو عنك، ورَمى بها إلى زُبيدة. فلما رأت توقيعَه علمت أنه لا يرجع عنه.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account