قال مالك بن أنس رحمه الله: خَطبنا أبو حمزة خطبة شكّك فيها المُستبصر وردَت المًرتاب، قال: أُوصيكم بتَقْوى الله وطاعته، والعَمل بكتابه وسُنّة نبيّه صلى الله عليه وسلم، وصِلة الرَّحم، وتَعْظيم ما صَغّرت الجبابرة من حق الله، وتَصْغير ما عَظَّمت من الباطل، وإماتة ما أحيوا من الجَوْر، وإحياء ما أماتوا من الحُقوق، وأَنْ يُطاع اللهّ ويُعمى العبادُ في طاعته، فالطاعةُ لله ولأهل طاعة اللهّ، ولا طاعةَ لمخلوق في مَعْصية الخالق. نَدْعوكم إلى كتاب اللّه وسُنة نبيّه، والقَسْم بالسويّة، والعَدْل في الرَّعية، ووَضْع الأخماس في مواضعها التي أمر اللّه بها. وإنا واللّه ما خرجنا أَشَراً ولا بَطراً ولا لَهْواً ولا لَعِباً، ولا لدُولة مُلْك نريد أن نَخُوض فيه، ولا لثأرٍ قد نِيل منَّا؛ ولكن لما رأينا الأرض قد أظلمت، ومعالم الجَوْر قد ظهرت، وكثر الادعاء في الدِّين، وعُمل بالهوى، وعُطِّلت الأحكام، وقتل القائم بالقِسط، وعُنَف القائل بالحق، وسمعنا مُنادياً ينادي إلى الحق وإلى طِريق مُستقيم، فأَجَبْنا داعيَ اللّه، فأَقْبلنا من قبائل شَتَّى، قليلين مُسْتضعفين في الأرْض، فآوانا اللّه وأيَّدَنا بنَصْره، فأصبحنا بنعمته إخواناً، وعلى الدِّين أعواناً. يأهْل المدينة، أوَّلُكم خير أوَّل، وأخركم شرّ آخر، إنكم أطعتم قًرَّاءكم وفُقهاءكم فاختانوكم عن كِتاب غير ذي عِوَج، بتأويل الجاهلين، وانتحال المبطلين، فأصبحتم عن الحق ناكبين، أمواتاً غيرَ أحياء وما تَشْعرون. يأهل المدينة، يا أَبناء المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، ما أصح أَصْلَكم، وأسْقم فَرْعَكم! كان آباؤكم أهلَ اليَقين وأهل المَعرفة بالدين، والبصائر النافذة، والقُلوب الواعية، وأنتم أهلً الضلالة والجهالة، استعبدتكم الدُّنيا فأذَلّتكمِ، والأَماني فأَضَفَتكم، فتح الله لكم بابَ الدين فأفْسَدتموه، وأغلَق عنكم باب الدُّنيا ففَتَحتموه، سِرَاع إلى الفِتْنةِ، بِطَاء عن السُّنّة، عُمْيٌ عن البرهان، صُم عن العِرْفان، عَبيد الطَّمع، حُلفاء الجَزَع. نِعْم ما ورثكم آباؤكم لو حَفِظتموه، وبئس ما تُوَرِّثون أبناءَكم إنْ تَمَسَّكوا به. نصرَ اللّه آباءكم على الحق، وخَذَلكم على الباطِل. كان عدد آبائكم قليلاً طَيباً، وعددكم كثيرٌ خبيث. اتبعتمُ الهوَى فأرْدَاكم، والَّلهْو فأسْهاكم، ومواعظُ القرآن تزجركم فلا تزْدجرون، وتُعبِّركم فلا تَعتَبرون. سألناكم عن وُلاتكم هؤلاء فقلتم: واللّه ما فيهم الذي يَعْدل، أخذوا المال من غير حلقه فوضعوه في غير حَقه، وجازوا في الحكم فحَكموا بغير ما أنْزَلَ اللهّ، واستأثروا بفَيئنا فجَعَلوه دولةً بين الأغنياء منهم، وجعلوا مَقَاسِمَنا وحقوقنا في مُهُور النساء، وفروج الإماء. وقلنا لكم تعالوا إلى هؤلاء الذين ظلمونا وظَلموكم وجاروا في الحُكم فَحَكموا بغير ما أنزل اللهّ؛ فقلتم لا نقْوَى على ذلك وَوَدِدْنا أنّا أصَبنا مَن يكفينا؛ فقُلنا: نحنُ نَكفيكم، ثم الله راع علينا وعليكم، إِن ظَفِرْنا لنُعطين كلَّ ذي حقَّه. فَجئْنا فاتقينا الرِّمَاح بصُدورنا، والسًّيوف بوُجوهنا، فعرَضتم لنا دونهم، فقاتلتمونا، فأبعدكم الله! فواللّه لو قلتم لا نَعرف الذي تقول ولا نَعلْمه لكان أعذرَ، مع أنه لا عُذْرَ للجاهل؛ ولكنْ أبى اللّه إلّا أن يَنطق بالحق علىِ ألْسِنتكم وَيأخُذَكم به في الآخرِة. ثم قال: النّاس منّا ونحن منهم إلا ثلاثة: حاكماً جاء بغير ما أنْزَل اللّه، أو مُتّبعاً له، أو راضياً بعمله.
أسقطنا من هذه الخطبة ما كان من طَعْنه على الخلفاء؛ فإنه طعن فيها على عثمان وعليّ بن أبي طالب، رضوان الله عليهما، وعمر بن عبد العزيز. ولم يترك من جميع الخلفاء إلا أبا بكر وعمر، وكفَّر مَنْ بعدهما، فلعنةُ الله عليه. إلا أنه ذكر من الخُلفاء رجلاً أصغى إلى المَلاهي والمعازف، وأضاع أمر الرعيَّة، فقال: كان فلان بن فلان من عدد الخُلفاء عندكم، وهو مُضَيِّع للدين والدنيا. اشترى له بُرْدَين بألف دينار، اتزَزَ بأحدهما والتحف بالآخر، وأقعَدَ حَبابة عن يمينه وسَلاّمة عن يساره! فقال: يا حَبَابة غَنّيني ويا سلامة اسقيني، فإذا امتلأ سُكراً أو ازدهى طَرباً شَقّ ثوْبيه وقال: ألا أطير؟ فطُيّر إلى النار وبئس المَصير. فهذه صفة خلفاء اللّه تعالى!