قال بعد التَّكبير والتَحميد: ألاَ وإنَ يومَكم هذا يوم عيد وسُنة، وابتهال ورَغبة، يومٌ خَتَم اللّه به صِيَام شهر رمضان، وافتتح به حَجّ بيته الحرام، فجلعه أول أيام شُهور الحجّ، وجعله مُعَقِّبا لِمَفروض صيامكم، ومُتَنَقِّل قيامكم، أحلَّ الله لكم فيه الطَّعام، وحرّم عليكم فيه الصّيامَ، فاطلبُوا إلى اللّه حوائجكم، واستغفروه لتَفريطكم، فإنه يُقال: لا كثيرَ مع نَدَم واستغفار، ولا قَليل مع تَمَادٍ وإصرار. ثم كبَرَ وحَمّد، وذكرَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم وأوصى بالبرّ وّالتَّقوى، ثم قال: اتقوا اللّه عباد الله، وبادرُوا الأمر الذي اعتدل فيه يقينكم، ولم يَحْضر الشد فيه أحداً منكم، وهو الموتُ المكتوب عليكم، فإنه لا تُسْتقال بعده عَثْرة، ولا تُحْظر قبله توبة، واعلموا أنه لا شيء قبله إلا دونه، ولا شيء، بعدَه إلاّ فوقَه، ولا يُعين على جَزَعه وعَلَزه وكُرَبه، وعلى القبر وظُلْمته، وضِيقه ووَحْشَته، وهَول مطلعه، ومسألة ملكَيْه، إلا العمل الصالح الذي أمر اللّه به؛ فمن زَلْت عند الموت قدَمُه، فقد ظهرت ندامتُه، وفاتته استقالتُه، ودَعا من الرّجعة إلى مالا يُجاب إليه؛ وبَذَل من الفِدْية مالا يُقْبَل منه. فاللّه اللّه عباد اللّه، كُونوا قوماً سألوا الرَّجعة فأُعطوها إذ مُنعها الذين طلبوها، فإنه ليس يتمنى المُتقدّمون قبلَكم إلا هذا الأجل المَبْسوط لكم، فاحذَروا ما حَذّركم اللّه، واتقوا اليوم الذي يَجْمعكم اللهّ فيه، لوَضْع موازِينكم، ونشر صًحفكم، الحافظة لأعمالكم. فلينظر عبدٌ ما يَضع في ميزانه مما يَثْقل به، وما يُمْلى في صحيفته الحافظة لما عليه وله؛ ألا فَقد حكى اللهّ لكم ما قالَ المُفرطون عندها، إذ طال إعراضّهم عنها، قال جلّ ذكره: " ووُضِع الكِتابُ فَتَرَى المُجْرمين مُشْفِقِين مما فيه ويقولون يا وَيْلَتَنا ما لهِذا الكِتاب لا يُغَادِرُ صَغيرَةً ولا كَبيرَةً إلاّ أحْصَاها ووَجَدُوا ما عَمِلوا ضِراً ولا يَظْلمُ رَبًّكَ أحَداً " قال: " ونَضَع المَوَازِين القِسْطَ لِيَوْم القِيَامة فَلاَ تُظْلم نَفْسٌ شيئَاَ. وإنْ كان مثقالَ حًبّة من خرْدَلٍ أتينا بها وكَفى بنا حَاسِبين " ولستُ أنها كم عن الدُنيا بأكثر مما نهتكم به الدُّنيا عن نَفْسها، فإنّ كل ما بها يُحَذِّر منها، وينهى عنها، وكلّ ما فيها يدعو إلى غيرها، وأعظم مما رأته أعينكم من فجائعها وزوالها ذَمُّ كتاب اللهّ لها والنهيُ عنها، فإنّه يقول تبارك وتعالى: " فلا تَغرَّنكم الحياةُ الدُّنيا ولا يَغُرَّنكم بالله الغَرُور " وقال: " اعلَموا أنما الحَيَاة الدُّنيا لَعب ولَهْوٌ وزِينَة وتفَاخُز بينكم وتَكاثر في الأموال والأولاد " فانتفعوا بمَعرفتكم بها. وبإخبار اللهّ عنها. واعلموا أنَّ قوماً مِن عباد اللّه أدركتهم عِصْمَةُ اللهّ فَحَذِروا مَصَارعها، وجانبوا خَذائعها، واثروا طاعةَ اللهّ فيها، وأدركوا الجنة بما يَتْركون منها.
خطبة عبد الله بن الزبير
حين قام بفتح افريقية:
قَدِم عبدُ اللهّ بن الزُّبير علي عثمان بن عفّان بفتح إفريقية، فأخبره مُشافهة