ونحن قائلون بعون الله وتوفيقه في الْجَوابات التي هي أصعبً الَكلام كلّه مَرْكباً، وأعزُّه مَطْلباً، وأغمضه مَذْهباً، وأضيَقه مَسْلكا، لأنّ صاحبَه يُعْجل مُناجاةَ الفِكْرة، واستعمال! القَريحة؛ يُوم في بَديهة، نَقْض ما أًبْرم في رويّة؛ فهو كمن أخذت عليه الفِجَاج، وسُدَّت عليه المَخارج؛ قد تَعرّض للأسنَة، واستهدف للمَرامي؛ لا يدْرِي ما يُقْرَع به فيتأهّب له، ولا ما يَفجؤه من خَصمه فيَقْرعه بمثله. ولا سيّما إذا كان القائلُ قد أَخذ بمجامع الكلام فقاده بزِمامه، بعد أن رَوّى فيه وأحتَفل، وجَمع خواطره وأجتهد، وتَرك الرأي يَغِب حتى يَخْتمر، فقد كَرِهوا الرأي الفَطير، كما كرهوا الجوابَ الدَّبَريّ؛ فلا يزال في نَسج الكَلام واستئناسه، حتى إذا اطمأن شاردُه، وسَكن نافرُه، صكّ به خَصْمًه جُملة واحدة؟ ثم إذا قيل له: أجِب ولا تُخطىء، وأَسرع ولا تُبْطىء، ترَاه يجاوب من غير أناة ولا استعداد، يُطبّق المَفاصل، ويَنْفُذ إلى، المَقاتل، كما يُرْمَى الْجَندل بالجندل، وُيقْرَع الحديد بالحديد؟ فَيَحُل به عُراه، ويَنْقُض به مرائره، ويكون جوابُه على كلامه، كسحابة لَبّدت عَجاجة. فلا شيءَ أعضلُ من الجواب الحاضر، ولا أعزّ من الخَصْم الألدّ، الذي يَقْرع صَاحبه، ويَصْرع مُنازعه
بقول كمِثْل النار في الْحَطَب الْجَزْل
قال أبو الْحَسن: أسرعُ الناسِ جواباً عند البديهة قريش ثم بقيّة العرب؛ وأحسنُ الجواب كُلِّه ما كان حاضراً مع إصابة مَعنى وإيجاز لَفْظ. وكان يُقال: اتّقوا جوابَ عُثمانَ بنِ عفّان. وقالت النبيّ عليه الصلاةُ والسلامُ لعمرو بن الأهتم: أخبرني عن الزِّبْرِقان؛ قال: مًطَاعٌ في أدانِيه، شديدُ العارضة، مانعٌ لما وراءَ ظَهْره. قال الزِّبْرِقانُ: واللهّ يا رسولَ اللهّ، لقد عَلِم منّي أكثرَ من هذا، ولكنْ حَسَدني. قال عمروبنُ الأهتم: أمَا واللّه يا رسولَ اللهّ، إنه لَزَمِرُ المُروءة، ضَيِّق العَطَن أحمقُ الوالد، لَئيم الْخَال واللهّ يا رسولَ اللّه ما كذبتُ في الأولى، ولقد صدقتُ في الأخرى؟ رَضِيتً عن ابن عمِّي فقلتُ فيه أحسنَ ما فيه ولم أكْذِب، وسَخِطتُ عليه فقلت أقبحَ ما فيه ولم أكذِب. فقال النبيّ عليه الصلاةُ والسلام: إنّ من البيان سِحْراً.
جواب عقيل بن أبي طالب لمعاوية
وأصحابه