FluentPlex

The Unique Necklace

خبر أبي الزهراء

Original text Public domain

Read with the dictionary

قال: فلم يزل أبو حمّاد يُلْطِفه ويتَلطَف به ويُبخله إلى أن أدخله منزله، فمهَّد له وحطَه عن أتانه، ودعا بالعَلَف، فجعل الأعرابيّ يقول: أين اللَيف والنَّئِيف والوِساد والنِّجاد. يعني باللِّيف: الحَصير، وبالنَّئِيف: عُشبَة عندهم، يقال لها البُهْمَى. وبالوِساد: جِلْد عَنْز يُسْلخ ولا يُشَق ويُحْشى وَبراً وشَعراً ويُتّكأ عليه، وبالنِّجَاد، مِسْح شَعر يستظل تحته. قال: فلما نَزَع القَتب عن الأتان إذا ظهرُها قد دَبر حتى أضرِّت بنا رائحتُه. فجعل الأعرابي يتنهد ويقول:

إن تُنْحَضي أو تَدْبَرِي أو تَزْحَرِي ... فذاك من دُؤوب ليل مُسْهِرِ

أنا أبو الزهراء من آل السري ... مُشَمَّخ الأنْفِ كريم العُنْصُرِ

إذا أتيت خُطَة لم أفسَرِ

وكان يُسَمى الأعرابيّ صَلَتان بن عَوْسجة، من بني سَعْد بن دارم، ويُكْنَى بأبي الزَهرِاء. وما رأيتُ أعرابياً أعجبَ منه، كان أكثر كلامه شِعْراً، وأمْثَلَ أعرابي سمعتُه كلاماً، إلا أنه ربما جاء باللَفظة بعد الأخرى لا نَفهمها، وكان من أضْجَر الناس وأسْوأهم خُلقاً، وإذا نحن سألناه عن الشيء، قال؛ رُدوا عليّ القَوس والأتان، يظُنّ أنا نَتلاعب به، وكُنّا نجتمع معه في مجلس أبي حمّاد وما مِنا إلا من يأتيه بما يشتهيه فلا يُعْجبه ذلك، حتى أتيناه يوماً بخِرْبِز، وكانت أمامه، فلما أبصرها تأمّلها طويلاً وجعل يقول.

بُدِّلْتً والدَهْرُ قديماً بَدّلَا ... من قَيْض بَيْض القفْر فَقْعاً حَنْظلا

أخْبَثُ ما تُنْبت أرْضٌ مأكلا

فكنا نقول له: يا أبا الزًهراء، إنه ليس بحَنْظَل، ولكنه طعام هنيء مريء ونحن نَبْدؤك فيه إنْ شئتَ؛ قال: فخُذوا منه حتىِ أرى. فبدأنا نأكل وهو يَنظر لا يَطْرف، فلما رأى ذلك بَسَط يده، فأخذ واحدةً، فنزع أعلاها، وقوَّر أسْفَلها؛ فقُلنا لها: ما تُريد أن تَصْنع يا أبا الزهراء؟ فقال: إن كان السم يا بنِ أخي ففيما تَرَوْن. فلما طَعِمه استخفّه واستعذبه واستَحلاه، فلم يكن يُؤْثِرُ عليه شيئاً، وما كنا نأتيه بعدُ بغَيره، وجَعل في خِلال ذلك يقول:

هذا طَعام طَيِّب يَلينُ ... في الجَوْف والحَلْق لهُ سُكُونُ

الشَّهدُ والزّبد به مَعْجُونُ

فلما كان إلى أيام، قلتُ له: يا أبا الزهراء، هل لك في الحَمّام؟ دال: وما الحمام يا بن أخي؛ قلنا له: دارٌ فيها أبيات حارّ وفاتر وبارد، تكون في أيها شئت، تُذْهب عنك قَشَفَ السَّفَر، ويَسْقط عنك هذا الشَّعر. قال: فلم نَزل به حتى أجابنا، فأتينا به الحمَّام وأمرنا صاحب الحمّام أن لا يُدْخل علينا أحداً، فَدَخل وهو خائف مترقّب لا يَنزع يده من يد أحدنا حتى صار في داخل الحمَّام، فأمرنا مَن طَلاه بالنّورة، وكان جِلْده أشْعَر كجِلد عَنْز، فَقَلِق ونازَعَ للخُروج، وبدأ شَعره يَسْقط؛ فقلنا: أحين طاب الحمَّام وبدأ شعرك يسقط تخرُج؟ قال: يا بن أخي، وهل بقي إلا أن أنْسَلخ كما يَنْسلخ الأديم في احتدام القَيْظ، وجعل يقول:

وهل يَطيب الموتُ يا إخْواني ... هل لكُم في القَوْس والأتانِ

خذُوهما مِنِّي بلا أثمان ... وخَلَصوا المًهْجَة يا صِبياني

فاليومَ لو أبْصَرَني جيراني ... عُرْيان بل أعرَى من العرْيان

قد سَقَط الشَعْر عن الجثمان ... حُسِبت في المنظر كالشًيطان

قال: ثم خرج مُبادراً، وأتْبعَه أحداثٌ لنا لولاهم لَخَرَج بحاله تلك ما يستره شيء، ولحقناه في وَسط البيوت، فأتيناه بماء بارد، فشرب وصبَ على رأسه، فارتاح واستراح، وأنشأ يقول:

الحمدُ للمُستَحْمد القهار ... أنْقَذَني من حَر بيت النَّارِ

إلى ظَليل ساكن الأوَار ... من بعد ما أيقنت بالدَمار

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account