وما سوى هؤلاء من بُطون قُرَيش يقال لهم قُرَيش البِطَاح، لأنهم سَكَنُوا بَطْحَاء مكة، وهم البُطون العشرًة التي ذَكَرناها قبل هذا الباب.
ومن بطون قريش: بنو زُهْرة بن كِلاب بن كَعْب بن لُؤَيّ. منهم: عبد الرَّحمن بن عوف، خال النبي عليه الصلاة والسلام؛ ومنهمِ بنو حَبيب ابن عبد شَمْس. ومنهم عبدُ الله بن عامر بن كُرَيز بن حَبِيب بن عبد شمْس، صاحِب العِرَاق، ومنهم بنو أمية الاصغر بنِ عبد شمْس بن عبد مَناف، وأمه عَبْلة، فيقال لهم العَبَلات. وبنو عبد العُزَّى بن عَبْد شَمْس، منهم أبو العاصي بن الرَّبيع، صهْر رسول الله صلى الله عليه وسلم، تَزَوَّج ابنته التي قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه: ولكنَّ أبا العاصي لم يَذْمُم صِهْره. ومنهم: بنو المُطّلب بن عبد مَناف، ومنهم محمد بن إدريس الشافعيّ. ومن بني نَوْفل بن عبد مناف: المُطعِم بن عَدِيّ. ولعبد شَمْس بن عبد مَناف ونَوْفَل بن عبد مناف يقول أبو طالب:
فيا أَخَوَيْنَا عبد شَمْسٍ ونَوْفَلا ... أًعِيذُ كما أن تَبْعثا بيننا حَرْبَا
وَوَلَد أُميةُ الأكبْر العاصيَ وأبا العاصي والعيص وأبا العيص، فهؤلاء يقال لهم الأعياص، وحرباً وأبا حَرْب. وهذه البُطون التي ذَكرْناها كلّها من قرَيش ليست من البطون العَشَرَة التي ذكَرْناها أولا وذَكَرْنا جماهيرها.
فضل قريش
قال النبي عليه الصلاة والسلام: الأئمة من قُريش. وقال: وقَدِّموا قُريشاً ولا تَقْدًموها. ولما قتل النضر بن الحارث بن كَلَدة بن عَبْد مناف، قال: لا يُقْتَل قُرَشيٌّ صَبْرًا بعد اليوم. يُرِيد أنه لا يُكَفّرُ قرَشي فَيُقْتَل صبْراً بعد هذا اليوم. الأصمعيّ قال: قال مُعاوية: أي الناس أفْصَح؟ فقال رجل من السِّماط: يا أمير المؤمِنين، قوم ارتفعوا عن رُتَة العِرَاق، وتياسرُوا عن كَشكَشَة بَكْرِ، وتيامنوا عن شَنشَنة تغلب، ليست فيهم غَمْغَمَة قُضَاعَة، ولا طمطمانِيّة حِمْير؟ قال: مَنْ هُم؟ قال: قَوْمُك يا أمير المُؤمنين؟ قال: صدَقْتَ؛ قال: فمِمّن أنت؟ قال: من جَرْم. قال الأصمعيّ: وجَرْم فُصْحى العَرَب.
قدم محمد بن عُمَير بن عُطارد في نَيِّف وسَبعين راكباً فاستزارهم عَمْرو بن عُتْبَة.
قال: فسمعتُه يقول: يا أبا سُفْيَان، ما بالُ العَرب تُطِيل كلامَها وأنتُمْ تَقْصرُونه مَعاشرَ قُريش؟ فقال عمرٍ و بن عُتْبة: بالجَنْدَل يُرْمى الجَنْدَل، إن كلامَنَا كلام يَقِلّ لَفْظُهُ وَيَكثر مَعْناه، ويُكتَفي بأولاه ويُسْتَشْفي بأخْراه، يَتَحَحِّر تَحَدُر الزُلال على الكَبِد الحَرَّى، ولقد نَقَصُوا وأطال غيرُهم فما أخلُوا، ولله أقوامٌ أدرَكْتُهم كأنّما خُلِقوا لتَحْسين ما قَبحت الدنيا، سهُلَت ألفاظُهم كما سهُلت عليهم أنفاسُهم، فآبتذلوا أموالَهم وصانوا أعراضَهم، حتى ما يجد الطاعنُ فيهم مَطعنا، ولا المادحُ مَزِيدا، ولقد كان آل أبي سُفْيان معِ قلّتهم كثيراً منه نِصِيبُهم، وللّه درُّ مَوْلاهم حيث يقول:
وَضعَ الدهرُفيهمُ شَفْرتيه ... فَمَضى سالماً وأمْسَوْا شًعُوِبَا
شَفْرتَان واللّه أفْنَتا أبدانَهم، وأبقتا أخبارَهم، فَتَركتَاهم حديثاً حسناً في الدنيا ثوابُه في الآخرة احسنُ، وحديثاً سيّئاً في الدُّنيا عقابُه في الآخرة أسوأ، فيَا مَوعوظاً بمَنْ قَبْلَه، مَوْعُوظاً به من بعده، ارْبَحْ نَفْسَك إذا خَسرَها غيرُك. قال: فظننتُ أنه أَرَاد أن يُعْلمه أنّ قُريشاً إذا شاءت أن تتكلّم تكلّمَت.
العُتبيّ قال: شَهِدْتُ مجلس عمرو بن عُتْبَة وفيه ناسٌ من القُرَشييّن، فتشاحُّوا في مَواريث وتجاحدوا، فلما قاموا من عنده أقبل علينا فقال: إن لِقُرَيش دَرَجاً تَزْلَقُ عنها أقدامُ الرجال، وأفعالاً تَخْضَع لها رقاب الأقوال، وغاياتٍ تَقْصرٌ عنها الجِيَاد المَنْسوبة، وألسنةً تَكِلُّ عنها الشَفار المَشْحُوذة، ولو آحتفلت الدنيا ما تَزَيَّنَت إلا بهم، ولو كانت لهم ضاقت عن سَعة أحلامهم. ثم إنّ قوماً منهم تَخَلَّقُوا بأخلاق العَوَام، فصار لهم رٍفق باللْؤم، وخُرْق في الحِرْص، ولو أمكنهم لقاسَمُوا الطيرَ أرزاقها، وإن خافُوا مَكْرُوهاَ تَعًجّلوا له الفَقْر، وإن عجلت لهم النِّعم أخروا عليها الشُّكر، أولئك " أنْضَاء " فكرة الفَقْر، وعَجَزَة حَمَلَة الشُّكر.