ولما توُفي عليّ بن أبي طالب رضوان اللهّ عليه، قام الحسنُ بن علي رضي اللهّ عنهما، فقال: أيها الناس، إنه قُبِض فيكم الليلة رَجُلٌ لم يسبقه الأولون ولم يُدْركه الآخِرِون، قد كان رسولُ للّه صلى الله عليه وسلم يَبْعثه فيَكتنفه جبريلُ عن يمينه وميكائيل عن شِماله، لا يَنْثني حتى يَفْتح الله له، ما تَرَك صَفراء ولا بيضاء إلا سبعمائة دِرهم أعدَّها الخادم له. عبدُ الرحمن بن الحسن عن محمد بن مُصْعَب قال: لما مات داود الطائي تكلَّم ابن السّماك فقال: إنّ داود نظر إلى ما بي يَدَيه من آخرته، فأعشى بَصَرُ القَلْب بصرَ العيَنْ، فكأنه لم ينْظر إلى ما إليه تَنْظرون، وكأنًكم لم تَنْظروا إلى ما إليه نظر، وأنتم منه تَعْجبون، وهو منكم يَعْجَب، فلما رآكم مَفْتُونين مَغرورين، قد أذهَلت الدّنيا عًقُولكم، وأماتت بحبِّها قُلوبكم، آستوحش منكم، فكنتَ إذا نظرتَ إليه حَسِبْتَه حيًّا وسْط أمْوات. يا داود، ما أعجب شأنك بين أهل زمانك! أهَنت نَفْسك وإنما تُريد إكرامَها، وأتْعبتها وإنما تُريد راحتها، أخشَنْت المَطعم وإنما تُريد طيبَه، وأخْشَنْت الملبس وإنما تُريد لينه، ثم أمَتَّ نَفْسك قبل أن تموت، وقَبرْتها قبل أن تُقْبَر، وعذَّبتها قبل أن تُعَذَّب، سَجَنْت نفسك في بَيْتك ولا مَحدِّث لها ولا جليس معها، ولا فِرَاش تحتك، ولا ستر على بابك، ولا قُلّة تُبرَّد فيها ماءك، ولا صَحْفة يكون فيها غَداؤُك وعشاؤك. يا داود، ما تشْتهي من الماء بارده، ولا من الطعام طيِّبه، ولا من اللِّباس ليِّنه، بلى، ولكن زَهِدْت فيه لما بين يَدَيك، فلا أصغر ما بذلتَ وما أحقرَ ما تَرَكْتَ في جَنْبِ ما رَغِبْت وأمًلت! لم تقبل من الناس عَطيَّة، ولا من الإخوان هدية، فلما مِتّ شَهَرَك رَبًّك بفَضْلك، وألبسك رِدَاء عملك، فلو رأيت مَنْ حَضرَك علمت أن ربِّك قد أكْرمك وشرَّفك.
وقف الأحنفُ بن قيسِ على قَبْر أخيه فأنشد:
فوالله لا أنْسى قَتيلا رُزِئْتُه ... بجانب قوسىَ ما مَشيَ على الأرض
على انها تَعْفُو الكُلومُ وإنما ... نوَكَلُ بالأدنى وإن جلَّ ما يَمْضي
ووقف محمد بن الحَنَفية على قبر الحُسن بن علي رضي الله عنه فخَنَقَتْه العَبرَة، ثم نَطقَ فقال: يَرْحمك الله أبا أحمد، فلئن عزّت حَياتُك فلقد هَدَّت وفاتُك، ولَنِعْم الرُّوح روح ضَمّه بدَنك، ولَنِعْمَ البدن بَدَنُ ضَمَّه كَفَنُك، وكيف لا يكون كذلك وأنت بقيّة ولد الأنبياء، وسليل الهُدى، وخامِس أصحاب الكِساء، غَذَتْك أكُفّ الحقّ، ورُبيت في حِجْر الإسلام، فطِبْت حيّا وطِبْت مَيِّتاً، وإن كانت أنفسنا غيرَ طيِّبة بفراقك، ولا شاكة في الخِيار لك. ووقَفت عائشة على قبر أبي بَكْر فقالت: نَضَّر الله وَجْهَك، وشكرَ لك صالح سَعْيك، فقد كًنت للدنيا مُذِّلاً بإدبارك عنها، وكنت للآخرة مُعِزاً بإقبالك عليها، ولئن كان أجلَّ الحوادث بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم رُزْؤُك، وأعظم المصائِب بعده فقْدُك، إنَّ كتاب الله لَيعِد بحُسْن الصبر فيك وحُسن العِوَض منك فأنا أنتجز موعد الله بحسن العزاء عليك، وأستعيضه منك بالاستغفار لك، فعليك السلامُ ورحمة اللهّ، توديع غير قاليةٍ لك، ولا زارية على القضاء فيك، ثم انصرفت.