وقال خالدُ بن صَفْوان لابنه: كُن أحسنَ ما تكون في الظاهر حالاً، أقلّ ما تكون في الباطن، مآلاً، ودَعْ من أعمال السرِّ مالا يَصْلُح لك في العلاَنِيَة. وقال أعرابي لابنه: يا بني، إنه قد أَسْمَعك الدَّاعي، وأعذر إليك الطالب، وانتهى الأمرُ فيك إلى حَدّه، ولا أعرِفُ أعظمَ رزيّة ممن ضَيَّعَ اليقين وأَخْطأه الأمَلً. وقال عليًّ بن الحسين لابنه، وكان من أفضل بني هاشم: يا بني، اصبر على النّوِائب، ولا تَعرّض للحُتوف، ولا تًجبْ أخاك من الأمر إلى ما مَضرّتُه عليك أكثر من مَنْفعَته لك. وقال حكيم لبنيه: يا بني، إياكم أن تكونوا بالأحداث مُغْتَرين، ولها آمنين، فإني واللّه ما سَخِرْت من شيء إلا نزل بي مثله، فاحذَروها وتوقَّعوِها، فإنما الإنسان في الدُّنيا غرَضٌ تَتَعاوره السِّهام، فمُجَاوزٌ له ومُقصِّر عنه وواقعٍ عن يمينه وشماله، حتى يُصيبه بعضها؛ واعلموا أن لكل شيء جرَاءَ ولكل عمل ثواباً. وقد قالوا: كما تَدِين تُدَان، ومن بَرِّ يوماً بُرَّ به. وقال الشاعر:
إذا ما الدَّهر جرَّ على أُناس ... حوادثَه أناخَ بآخَرِينَا
فقُلْ للشّامتين بنا أَفيقوا ... سَيَلقى الشامِتون كما لقِينا
وقال حكيم لابنه: يا بني، إني مُوصيك بوصيّة، فإن لم تحفظ وصيتي عنّي لم تَحْفَظها عنِ غيري: اتّق الله ما استطعتَ، وإن قَدَرْت أن تكون اليومَ خيراً منك أمس وغداً خيراَ منك اليومَ فافعل، وإياك والطمعَ فإنه فَقْرٌ حاضِر، وعليك باليأسِ فإنك لن تيأسِ من شيء قطُّ إلا أغناك اللهّ عنه، وإياك وما يُعْتَذر منه فإنك لن تَعْتذر من خير أبداَ، وإذا عَثر عاثر فاحمد اللهّ أن لا تكون هو. يا بني، خذِ الخيرَ من أهله، ودع الشرً لأهله، وإذا قُمتَ إلى صَلاتك فَصلِّ صلاة مُوَدع، وأنت ترَى أن لا تُصَلِّي بعدها " أ بداَ " .
وقال عليًّ بن الحُسن عليهما السلام لابنه: يا بني، إن الله لم يَرْضَك لي فأَوْصاك بي، ورَضيَنى لك فَحَذّرَني منك، واعلم أَنّ خيرَ الآباء للأبناء مَن لم تَدْعًه المودة إلى التفريط فيه، وخيرَ الأبناء للآباء منِ لم يَدْعُه التقصيرُ إلى العُقوق له. وقال حكيم لابنه: يا بني، إن أشدَّ الناس حسرةً يومَ القيامة رجلٌ كَسَب مالاً من غير حِلّه فأدخله النارَ، وأوْرَثه مَنْ عَمِل فيه بطاعة الله فأدخله الجنة.
عَمْرو بن عُتْبَة قال: لما بلغتُ خمسَ عشرةَ سنة قال لي أبي: يا بني، قد تَقَطعَتْ عنك شرائع الصِّبَا فالزَم الحياء تكن منِ أهله، ولا تُزَايِلْه فَتَبِين منه، ولا يَغُرَّنك من اغترَّ بالله فيك فمَدحك بما تعلم خلافه من نفسك، فإنه من قال فيك من الخير ما لم يعْلَم إذا رَضي، قال فيك من الشرّ مثلَه إذا سَخِط. فاستأنس بالوُحْدَة من جُلساء السَّوء ِتَسْلَم من غِبّ عواقبهم.
وقال عبد الملك بنُ مَرْوَان لبَنيه: كُفّوا الأذى، وابذُلوا المعرِوف، واعْفوا إذا قَدَرْتم!، ولا تَبْخَلوا إذا سئلتم، ولا تُلْحِفوا إذا سألتم، فإنه من ضيّق ضُيِّق عليه، ومن أعطى أخْلَفَ اللهّ عليه. وقال الأشعثُ بن قيس لبنيه: " يا بني " ، " لا " تَذِلُّوا في أعراضكم، وانخدعوا في أموالكم، ولتَخِفَّ بُطونُكم من أموال الناس، وظًهوركم من دمائهم، فإنّ لكلِّ امرىء تَبِعة؛ وإياكم وما يُعتَذر " منه " أو يُستحى، فإنما يُعتذر من ذنب، ويستحى من عَيب؛ وأصْلِحوا المالَ لجفوة السُّلطان وتَغيُّر الزمان، وكُفُّوا عند الحاجة عن المسألَة، فإنه كَفي بالردّ مَنْعا، وأجملُوا في الطلب حتى يوافق الرِّزْق قدَرا، وامنعوا النساءَ من غير الأكفاء، فإنكم أهلُ بَيْت يتأسىّ بكم الكريمُ، ويتشرَف بكم اللئيم؛ وكونوا في عوامّ الناس ما لم يَضْطرب الحبْلُ فإذا اضطرب الحبلُ، فالحقوا بعشائركم.
وكتب عمرُ بن الخطّاب إلى ابنه عبد الله في غَيْبة غابها: أمَّا بعد، فإنّ مَنِ اتقى اللّه وَقاه، ومن اتْكل عليه كفاه، ومن شكَرَ له زاده، ومن أقْرَضه جَزاه؛ فاجعل التًقوى عِمارة قلبك وجَلاءَ بَصرك، فإنه لا عمَل لمن لا نِيَّة له، ولا خيرَ لمن لا خَشْيَة له، ولا جديد لمن لا خلق له.