FluentPlex

The Unique Necklace

مكاتبة جرت بين الحكماء

Original text Public domain

Read with the dictionary

ودخل الحسن بن أبي الحسن على عبد الله بن الأهتم يعوده في مرضه، فرآه يُصَوِّب بصره في صُندوق في بيته وُيصَعِّده، ثم قال: أبا سَعِيد، ما تقول في مائة ألف في هذا الصندوق لم أُؤَدِّ منها زكاةً، ولم أصِل منها رَحِماً؟ قال: ثَكِلَتْكَ أُمك، ولمن كنتَ تَجْمعها؟ قال: لرَوْعة الزِمان، وجَفْوة السلطان، ومُكاثرة العَشيرة. قال: ثم مات، فشَهده الحسنُ، فلما فَرَغ من دَفْنِه، قال: انظروا إلى هذا المِسكين، أتاه شيطانُه فحذّره رَوْعة زَمانه، وجفوة سُلطانه، ومُكاثرة عشيرته، عما رزقه اللهّ إياه وغَمره فيه، انظروا كيف خرج منها مَسْلوباً محروباً. ثم التفتَ إلى الوارث فقال: أيها الوارث، لا تُخْدَعَنّ كما خُدِعَ صوَيْحبك بالأمس، أَتاك هذا المال حلالاً، فلا يكونن عليك وبالا، أتاك عفواً صفواً، ممن كان له جمُوعا مَنُوعا، من باطل جَمَعه، ومن حقً مَنَعه، قطع فيه لُجَجَ البِحار، ومفاوِزَ القِفار، لم تَكْدح فيه بِيَمين، ولم يَعْرَق لك فيه جَبين. إِنّ يوم القيامة يوم ذو حَسَرَات، وإن من أعظم الحسرات غداً أن ترى مالك في ميزان غيرك، فيالها عَثَرة لا تُقال، وتوبة لا تُنال.

ووعظَ حكيم قوماً فقال: يا قوم، استَبْدِلوا العَوَارِيَ بالهِبات تَحْمَدوا العُقْبَى، واستقْبِلوا المصائب بالصَبْر تستحِقُّوا النُّعْمَى، واستَدِيموا الكَرَامة بالشُّكر تَسْتَوْجبوا الزِّيادة، واعرفوا فَضْل البَقاء في النِّعمة، والغِنَى في السلامة، قبل الفِتْنَة الفاحِشةِ، والمَثُلة البينة، وانتقال العَمَل، وحُلول الأجَل، فإنما أنتم في الدُّنيا أَغراض المَنايا، وأَوطان البلايا، ولن تنالوا نِعْمَة إلا بِفِراق أُخرى، ولا يَسْتقبل مُعَمَّر مِنكم يوماً من عُمره إلا بانتقاص آخرَ من أجله، ولا يَحيا له أَثر إلا مات له أَثر. فأنتم أعوان الحُتُوف على أنفسكم، وفي معايشكم أسبابُ مَنَاياكم، لا يَمنعكم شيء منها، ولا يَشْغَلكم شيء عنها. فأنتم الأخْلاف بعد الأسلاف، وستكونون أَسلافاً بعد الأخلاف. بكل سبيل منكمِ صَرِيعٌٍ مُنْعَفر، وقائم يَنْتظر، فمن أيّ وجه تَطْلُبون البَقَاء وهذان الليلُ والنهِارُ، لم يرْفعا شيئا قَطّ إلا أسرَعا الكرَّة في هَدْمه، ولا عقدا أَمراً قطُّ إلاَّ رَجَعا في نقضه.

وقال أبو الدَّرْداء: يا أَهل دمَشق، مالكم تَبْنون مالا تسكنون، وتأمُلون ما لا تُدرِكون، وتَجمعون ما لا تأكلون، هذه عادٌ وثمود قد مَلَئُوا ما بين بُصْرَى وعَدَن أموالاً وأولاداً، فمن يَشْتري مني ما تركوا بدرهمين؟ وقال ابن شُبْرُمَة: إذا كان البَدَن سقيماً لم يَنجع فيه الطعام ولا الشراب، وإذا كان القلب مُغْرَماً بِحُبّ الدنيا لم تَنْجِع فيه الموعظة. وقال الرًبيع بن خُثَيم: أَقْلِل الِكلام إلا من تِسع: تكبيرِ وتهليل وتسْبيح وتَحْمِيد وسؤالِكَ الخير وتَعَوّذِك من الشرّ وأمرِكَ بالمعروف ونهْيِكَ عن المُنْكر وقراءتك القرآن.

قال رجل لبعض الحًكماء: عِظْني. قال: لا يَراك اللهّ بحيث نَهَاك، ولا يَفْقِدك من حيثُ أمرَك. وقيل لحكيم: عِظْني. قال: جميعُ المواعظ كلّها مُنتظمة في حرف واحد؟ قال: وما هو؟ قال: تُجْمِع على طاعة اللّه، فإذا أنت قد حَوَيت المواعظ كُلَّها. وقال أبو جعفر لسُفْيان عِظْني. قال: وما عَمِلتَ فيما عَلِمْتَ فأعِظَك فيما جهلتَ؟. قال هارون لابن السمّاك: عِظني. قال: كفي بالقرآن واعظاً؛ يقول الله تبارك وتعالى: " ألمْ تر كيفَ فَعَلَ رَبكَ بِعَاد. إرَمَ ذَاتِ العِماد التي لمْ يُخْلَق مثلُها في البِلاد " . إلى قوله " فصَّبّ عليهم ربك سَوْط عَذَاب. إنَّ ربك لبَالمِرْصاد " .

مكاتبة جرت بين الحكماء

عَتَبَ حَكيمٌ على حكيم، فَكَتَبَ المَعْتُوبُ عليه إلى العاتب: يا أخي، إنّ أيام العُمْر أقصرُ من أن تحتمل الهَجْر. فَرَجع إليه.

وكتب الحسنُ إلى عُمَر بن عبد العزيز: أما بعد، فكأنك بالدنيا لم تكُن، وبالآخرة لم تَزَل. والسلام. وكتب إليه عُمر: أما بعد، فكأنّ آخر من كُتِبَ عليه الموت قد مات، والسلام.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account