أرى بَصرِي قد رابني بعد صِحَّةٍ ... وحَسْبُك داءً أن تَصِحَّ وتَسْلَمَا
وِقال آخر:
كانت قَنَاتي لا تَلِينُ لغامزٍ ... فألانَهَا الإصباحُ والِإمْساءُ
وَدَعَوْتُ رَبِّي بالسلاَمة جاهِداُ ... لِيُصِحًني فإذا السلامةُ داء
وقال أبو العتاهية " ويروى للقُطاميّ " :
أسْرَع في نَقْص آمرىء تمامُه
وقالت الحكماء: ما زاد شيءٌ إلا نَقَص، ولا قام إلا شَخَص. وقال بعض المُحْدَثين:
" أَلستَ تَرَى أنّ الزَّمانَ طواني ... وبدَّل عقلي كلّه وبَرَاني "
تَحَيَّفَني عُضْواً فَعُضْواً فلم يَدَع ... سوى اسمي صحيحاً وحدَه ولِساني
ولو كانت الأسماء يَدْخُلها البِلَىِ ... إذاً بَليَ اسمي لامتدادِ زَمانِي
وما ليَ أَبْلَى لِسَبْعِينَ حجَّةَ ... وَسبع أَتَتْ مِن بعدها سَنَتان
إذا عَنًّ لي شيءٌ تَخيَّل دونه ... شَبيهُ ضَباب أو شَبيهُ دُخان
وقال الغَزال:
أصبحتُ واللهّ مَحْسودأً على أَمدٍ ... مِنَ الحياة قَصيرِ غير مُمتَدِّ
حتى بقيتُ بحمد الله في خَلَفٍ ... كأنّني بينهم من وَحْشًةٍ وَحْدي
وما أُفارق يوماً مَن أفارقه ... إلا حَسِبْت فِراقِي آخرَ العَهد
وقال آخر:
يا مَن لشيخٍ قد تَخَدَّد لحمُه ... أَفنَى ثلاثَ عمائمٍ أَلوانا
سوداءَ حالكةً وسَحْقَ مُفوَف ... وأجدَّ لوناً بعد ذاك هِجَانَا
قَصَرَ اللّيالي خَطْوَه فَتَدَاني ... وحَنَينْ قائم صُلبه فتحانىَ
والموتُ يأتي بعد ذلك كلِّه ... وكأنما يُعْنى بذاك سِوَانا
" وقال سُفيان الثّوريّ في مَدْح كِبَره:
إنِّي وإن كان مَسنَّى كِبر ... على ما قد تَرَيْنَ من كِبَرِى
أَعرفُ من قبل أن تُفَارِقَني ... موقعَ سَهْمِي والسهمُ في الوتَر "
من صحب من ليس من نظرائه
لخصال فيه
كان حارثةُ بن بَدر الغُدَانيِّ فارسَ بني تميم، وكان شاعراً أديبَا ظريفاً، وكان يُعاقرا الشَّرابَ ويَصْحب زياداَ، فقيل لزياد: إنك تَصْحب هذا الرجلَ وليس من شاكِلَتك، إنهُ يُعاقر الشراب؛ فقال: كيف لا أَصحبه، ولم أَسْأله عن شيء قطّ إلا وجدتُ عنده منه عِلماً، ولا مَشىَ أمامي فاضطرَّني أن أناديه، ولا مَشى خَلْفي فاضطرَّني أن أَلتفتَ إليه، ولا راكَبني فمسَّتْ رُكْبتي رُكْبَتَه. فلما هلك زيادٌ قال حارثةُ بنُ بَدْر يَرْثيه:
أَبا المُغِيرَةِ والدُنيا مُغَرِّرَةٌ ... وإِنّ مَن غَرَّت الدُّنيا لَمَغْرورُ
قد كان عِنْدك للمَعْروف مَعْرِفَةٌ ... وكان عندك للتَّنْكير تَنْكِير
لو خلدَ الخيرُ والإسلامُ ذا قِدَمٍ ... إذاً لخلّدَك الإسلامُ والخِير