FluentPlex

Al-Fakhrī

معاوية أمير المؤمنين

Original text Public domain

Read with the dictionary

وأما معاوية، رضي الله عنه، فكان عاقلاً في دنياه لبيباً عالماً حليماً ملكاً قوياً جيد السياسة حسن التدبير لأمور الدنيا عاقلاً حكيماً فصيحاً بليغاً يحلم في موضع الحلم ويشتد في موضع الشدة إلا أن الحلم كان أغلب عليه. وكان كريماً باذلاً للمال محباً للرياسة مشغوفاً بها، كان يفضل على أشراف رعيته كثيراً. فلا يزال أشراف قريش مثل عبد الله بن العباس وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن جعفر الطيار وعبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر وأبان بن عثمان بن عفان وناس من آل أبي طالب، رضي الله عنهم يفدون عليه بدمشق فيكرم مثواهم ويحسن قراهم ويقضي حوائجهم، ولا يزالون يحدثونه أغلظ الحديث ويجبهونه أقبح الجبه، وهو يداعبهم تارة ويتغافل عنهم أخرى ولا يعيدهم إلا بالجوائز السنية والصلات الجمة. قال يوماً لقيس بن سعد بن عبادة ، رضي الله عنه، وهو رجل من الأنصار: ً يا قيس والله كنت أود أن تنكشف الحروب التي كانت بيني وبين علي، عليه السلام، وأنت حيً فقال قيس: ً والله إني كنت أكره أن تنكشف تلك الحروب وأنت أمير المؤمنين ً فلم يقل له شيئاً. وهذا من أجمل ما كانوا يخاطبونه به.

وبعث إلى رجل من الأنصار بخمسمائة دينار فاستقلها الأنصاري وقال لابنه: خذها وامض إلى معاوية فاضرب بها وجهه وردها عليه، وأقسم على ابنه أن يفعل ذلك. فجاء ابنه إلى معاوية ومعه الدراهم فقال: يا أمير المؤمنين إن أبي فيه حدة وسرعة وقد أمرني بكيت وكيت وأقسم علي وما أقدر على مخالفته. فوضع معاوية يده على وجهه وقال: افعل ما أمرك أبوك وارفق بعمك. فاستحيا الصبي ورمى بالدراهم فضاعفها معاوية وحملها إلى الأنصاري. وبلغ الخبر يزيد ابنه، فدخل على معاوية غضبان وقال: ً لقد أفرطت في الحلم حتى خفت أن يعد ذلك منك ضعفاً وجبناً فقال معاوية: ً أي بني إنه لا يكون مع الحلم ندامة ولا مذمة فامض لشأنك ودعني لرأيي ً. وبمثل هذه السيرة صار خليفة العالم وخضع له من أبناء المهاجرين والأنصار كل من يعتقد أنه أولى منه بالخلافة. وكان معاوية، رضي الله عنه، من ادهى الدهاة . روي أن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، قال لجلسائه: تذكرون كسرى وقيصر ودهاءهما وعندكم معاوية؟ ومن دهائه ما اعتهده من استمالة عمرو بن العاص . وكان عمرو ابن العاص أحد الدهاة وكان أول ما نشبت الفتنة بين أمير المؤمنين علي، عليه السلام، ومعاوية معتزلاً للفريقين. فرأى معاوية أن يستميله ويتقوى برأيه ودهائه ومكره، فاستماله ووصل حبله بحبله، وولاه مصر، ودخل معه في تلك المداخل، وفعل في صفين تلك الأفاعيل. ولم يكن بينهما مع ذلك مودة قلبية وكانا يتباغضان سراً. وربما ظهر ذلك على صفحات وجوههما وفلتات ألسنتهما. طلب أمير المؤمنين، عليه السلام، في صفين من معاوية أن يخرج إلى مبارزته. فقال له عمرو بن العاص، رضي الله عنه: قد أنصفك ولا يحسن النكول عن مبارزته. فقال له معاوية: غششتني وأحببت قتلي. ألست تعلم أن ابن أبي طالب لا يبرز له أحد إلا قتله؟ وقال معاوية يوماً لجلسائه: ما أعجب الأشياء؟ فقال يزيد: أعجب الأشياء هذا السحاب الراكد بين السماء والأرض لا يدعمه شيء من تحته ولا هو منوط بشيء من فوقه. وقال آخر: أعجب الأشياء حظ يناله جاهل وحرمان يناله عاقل. وقال آخر: أعجب الأشياء ما لم ير مثله. وقال عمرو بن العاص: أعجب الأشياء أن المبطل يغلب المحق؛ يعرض بعلي، عليه السلام، ومعاوية. فقال معاوية : بل أعجب الأشياء أن يعطى الإنسان ما لا يستحق إذا كان لا يخاف؛ يعرض بعمرو ومصر، فنفث كل منهما بما في صدره من الآخر.

واعلم أن معاوية كان مربي دول وسائس أمم وراعي ممالك، ابتكر في الدولة أشياء لم يسبقه أحد إليها، منها: أنه أول ن وضع الحشم للملوك ورفع الحراب بين أيديهم ووضع المقصورة التي يصلي الملك أو الخليفة بها في الجامع منفرداً من الناس وذلك لخوفه مما جرى لأمير المؤمنين، عليه السلام، فصار يصلي منفرداً في مقصورة فإذا سجد قام الحرس على رأسه بالسيوف.

وهو أول من وضع البريد لوصول الأخبار بسرعة.

كلام في معنى البريد:

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account