قالت فذاك الفعل من أبي هو الذي أصارنا إلى أن ليس عندنا شيء قال بشر بن الحرث أتيت باب المعافى بن عمران فدققت الباب فقيل لي من قلت بشر الحافي قالت لي بنية من داخل الدار لو اشتريت نعلاً بدانقين ذهب عنك اسم الحافي وبلغنا أن المعتصم ركب إلى خاقان يعوده والفتح صبي يومئذ فقال له المعتصم أيما أحسن دار أمير المؤمنين أو دار أبيك قال إذا كان أمير المؤمنين في دار أبي أحسن فأراه فصافى يده فقال هل رأيت يا فتح أحسن من هذا الفص فقال نعم اليد التي هو فيها. قال أبو علي البصير توفي أبي وأنا صغير فمنعت ميراثي فقدمت منازعاً إلى القاضي فقال لي بلغت، قلت نعم، قال ومن يعلم بذاك، قلت من انعظ عليه فتبسم وأمر بفك حجري. بلغنا أن إياس بن معاوية تقدم وهو صبي إلى قاضي دمشق ومعه شيخ فقال أصلح الله القاضي هذا الشيخ ظلمني واعتدى علي وأخذ مالي فقال القاضي أرفق به ولا تستقبل الشيخ بمثل هذا الكلام فقال إياس أصلح الله القاضي أن الحق أكبر مني ومنه ومنك قال اسكت قال إن سكت فمن يقوم بحجتي قال تكلم بخير فقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له فرفع صاحب الخبر هذا الخبر فعزل القاضي وولى إياس مكانه.
نظر المأمون إلى ابن صغير له في يده دفتر فقال ما هذا بيدك فقال بعض ما تسجل به الفطنة وينبه من الغفلة ويؤنس من الوحشة، فقال المأمون الحمد لله الذي رزقني من ولدي من ينظر بعين عقله أكثر ما ينظر بعين جسمه وسنه. قال الفرزدق لغلام حدث أيسرك إني أبوك، قال لا ولكن أمي ليصيب أبي من أطايبك. قعد صبي مع قوم يأكلون فبكى قالوا مالك تبكي قال الطعام حار قالوا فدعه حتى يبرد قال أنتم لا تدعونه.
قال الأصمعي قلت لغلام حدث السن من أولاد العرب أيسرك أن يكون لك مائة ألف درهم وإنك أحمق فقال لا والله قلت ولم قال أخاف أن يجني على حمقي جناية تذهب مالي ويبقى على حمقي. بلغنا أن صبياً لقي رجلاً عاقلاً فقال له إلى أين تمضي فقال إلى المطبق قال أوسع خطوتك. ادخل على الرشيد صبي له أربع سنين فقال له ما تحب أن أهب لك قال حسن رأيك.
الباب الثلاثون
في ذكر طرف من فطن عقلاء المجانين
حدثنا محمد بن إسماعيل قال كان عندنا رجل من جهينة يكنى أبا نصر قد ذهب عقله فقلت له يوماً ما السخاء قال جهد مقل قلت فما الخل قال أف وحول وجهه، فقلت أجنبي قال قد أجبتك. قال الشبلي رأيت يوم الجمعة معتوهاً عند جامع الرصافة قائماً عريان وهو يقول أنا مجنون الله أنا مجنون فقلت له لم لا تدخل الجامع وتتوارى وتصلي فأنشأ يقول:
يقولون زرنا واقضِ واجب حقنا ... وقد أسقطت حالي حقوقهم عني
إذا هم رأوا حالي ولم يأنفوا لها ... ولم يأنفوا منها أنفت لهم مني
قال ابن القصاب الصوفي دخلت المارستان فرأيت فيه فتى مصاباً فولعت به وزدت في الولع فأتبعته فصاح وقال انظروا إلى شعور مطرزة وأجساد معطرة قد جعلوا الولع بضاعة والسخف صناعة فقلت له من السخي قال الذي رزق أمثالكم وأنتم لا تساوون قوت يوم قلت له من أقل الناس شكر فقال من عوفي من بلية ثم رآها في غيره فترك الشكر فانكسرت بذلك وقلت له ما الظرف قال خلاف ما أنتم عليه. بلغني عن بعض أصحاب المبرد أنه قال انصرفت من مجلس المبرد يوماً فجزت بخربة فإذا بشيخ قد خرج منها ومعه حجر فهم أن يرميني به فتترست بالمحبرة والدفتر فقال مرحباً بالشيخ فقلت وبك قال من أين أقبلت قلت من مجلس المبرد قال البارد ثم قال ما الذي أنشدكم فكان من عادته أن يختم مجلسه ببيت أو بيتين من الشعر فقلت له أنشدنا:
أعار الغيث نائله ... إذا ما ماؤه تفدا
وإن أسد شكا جبناً ... أعار فؤاده الأسدا
فقال أخطأ قائل هذا الشعر قلت كيف قال ألا تعلم أنه إذا أعار الغيث نائله بقي بلا نائل وإذا عار الأسد فؤاده بقي بلا فؤاد قلت فكيف كان يقول فانشد:
علم الغيث الندى فإذا ... ما وعاء علم البأس الأسد
فإذا الغيث مقر بالندى ... وإذا الليث مقر بالجلد
قال فكتبت وانصرفت ثم مررت يوماً آخر بذلك المكان فإذا به قد خرج وبيده حجر فكان يرميني فتترست منه فضحك وقال مرحباً بالشيخ فقلت وبك قال من مجلس المبرد قلت نعم قال ما الذي أنشدكم قلت أنشدنا: