وإذا أراد الله نصرة عبده ... كانت له أعداؤه أنصارا
وإذا أراد خلاصه من هلكة ... أجرى له من نارها أنهارا
فترى العقول تقاصرت عن نوكه ... وترى له في شوكه أزهارا
فدخل الشيخ إبراهيم عليه، وقبل الأرض بين يديه، وحياه بتحية الأكاسرة من الملوك، ووقف في مقام أصغر مملوك، ثم استأذن في الخطاب، واستلطف في رد الجواب، فأذن له فقال إن عموم شفقة مولانا الأمير، وحسن حنوه على المسكين والفقير، وشمول عاطفته الكريمة ورحمته المنيفة، حملت المملوك على عرض ما عن له على الآراء الشريفة، وهو أنه بحمد الله المرام حاصل، والمراد على وفق الاختيار متواصل، والولي مجبور، والعدو مكسور، وهيبة مولانا الأمير في الشرق والغرب، أغنته عن الاستعداد للضرب والحرب، ثم إن العساكر المنصورة أكثر من أن تحصى، وفيهم من الأسرى والمرمق الحال ما فات الإحصا، وخصوصاً جماعات التتار، الذين ولى سعدهم الأدبار، وأحلوا قومهم دار البوار، قد أضر بهم البرد، وتردد نقش حظهم بين العكس والطرد، فإن استمرت الأمور، على هذا الدستور، رق الجليل وهلك الرقيق، ودق العظيم وانطحن الدقيق وهذه البلاد بل وسائر الأقاليم، محال إلا بأمرك أن تستقيم، وإن رؤساءها من الفجرة والفسقة، علموا ما لمولانا الأمير على مملوكه من الحنو والشفقة، فتراموا لعلة المجاورة على المملوك، ورجوا من الصدقات الشريفة ما يرجوه من الغني الكريم المحتاج الصعلوك، ومهما برزت به المراسيم المطاعة، تلقاه بالقبول كل من المملوك وهؤلاء الجماعة، وقابلوا الأوامر الشريفة بالسمع والطاعة، وإن كان المقصود جمع مال، فالمملوك يقوم به على كل حال، وأنى للمملوك مال إلا من صدقات مولانا الأمير؟ وما قصد المملوك بذلك إلا رفع الكلفة عن الجانبين وتيسير الأمر العسير، ورعاية لحق الجوار، عملاً بقوله صلى الله عليه وسلم " ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه " ، والرأي الشريف أعلى، وأحرى، أن لا يخيب رجاء المملوك وأولى، فأجابه إلى سؤاله، وطلب منه مالاً عريضاً سواء كان من مالهم أو من ماله فقال الشيخ إبراهيم أنابه زعيم، وأبلغ ذلك إلى خزنته أتم إبلاغ، ثم رحل وأكمل شتويته في قراباغ، وذلك في سنة ست وثمانمائة
ذكر ثني عنانه إلى أوطانه
وقصده بلاده بعد استكماله فساده
ولما زينت ماشطة الكون عروس المكان، وأقام مزمن الجمادات قوام الزمان، وتهيجت القوى النامية، وتبرجت " مخدرات " الذرا السامية، وشبت الجمرات، ودبت الحشرات، تحرك للرحيل ذلك الأفعى، ونفث على هوام أموات الزمهرير من أحياء عساكره فإذا هي حية تسعى، فدق الكوس، فجاوب صداه الرعد القاصف، ولمعت مرايا اللبوس فانعكس منها إيماض البرق الخاطف، وعرض خيوله في التروس فأحاط بالأطواد قوس قزح، وسير خيوله في اللبوس، فتجللت كتائب الكثبان بشقق الورد والريحان، خائلة في ذلك البر المنتزح، ومارت الجمال، فمرت الجبال مر السحاب، وسارت الرعال، فصعد العنان من النقع الضباب، وشرعت الذوابل، فإذا رطيب الأغصان متمايل، وهزهزت القواصل، فانساب في القصيل مرهف الجداول، ولضلضت ألسنة الخناجر والنيازك فبرزت عذبات العذبات، ونشرت أعلام الكتائب فانبثت تشاهير الأزاهير على عقبات العقبات وعلى الجملة فإن الربيع حاكى ببروقه بوارقه، وبرعوده صواعقه، وبخمائله وروابيه، زرابيه ونمارقه، وبركامه قتامه، وبشقائقه أعلامه، وبأشجاره المزهرة خيامه، وبأغصانه رماحه، وبعواصف أمره ونهيه رياحه، وبكتائبه السود كثبه الخضر، وبأزهاره الزرق مزارقه الزهر، وبسيوله الجحافه مسير جحافله، وباضطراب بحر فيالقه تموج خمائله، عند هبوب أصائله واستمر بين ذلك العرار والرند، قافلاً بالبال الفارغ إلى سمرقند، فسار والسرور نديمه، والحبور خديمه، والأشر معاقره، والنشاط مسامره، وبين التفريط والإفراط موارد ومصادره، حتى قطع ولايات أذربيجان، وحل ركابه بممالك خراسان، وفي خدمته ملوك الأقاليم وأرباب التيجان
ذكر نهوض ملوك الأطراف
لاستقباله، ووفودها عليه مهنئة له بحسن مآله